انتهت أزمة القمة بأزمة اسمها القمة حيث شكل انعقاد القمة أزمة بحد ذاته أسفرت عن ترسيخ الشرخ في الصف العربي، فالدولة المضيفة وهي سوريا وان كان خطابها أمام القمة تصالحي النبرة إلا أن هذه النبرة كانت مطلوبة قبل انعقاد القمة حتى يكون التمثيل مشابها لدورات القمة السابقة، لكن بدا للمراقب ووفقا للتلميحات السورية وغير السورية وكأن القمة العربية محتلة من قبل قوى خارجية وهي إيران والولايات المتحدة.

وظهر الموقف العربي وكأنه لاحول له ولا قوة ولا قمة، حتى وصفت القمة بأنها «نص قم» على غرار القميص نص كم. النظام العربي في المحصلة النهائية برهن للجميع أنه يعيش أزمة داخلية متفاقمة حول ملفات كثيرة منها الخارجي ومنها البيني، ولئن ركز وزير الخارجية السوري قبل وبعد القمة على أن مجرد انعقادها كان نجاحا بسبب ما وصفه بالضغوط الأميركية إلا أنه في ذلك جنح كثيرا .

وكأنه يقول إن عدم حضور عدد من القادة العرب جاء نتيجة ضغوط أميركية، لكن هذا استنتاج يجانبه الصواب فالحليفان الوثيقان إن صح التعبير للولايات المتحدة وهما الكويت والسلطة الفلسطينية حضرا القمة بتمثيل قيادي ولو كانت هناك ضغوط عليهما لما ذهبا إلى هناك وحتى لو كانت هناك ضغوط فإنه إذا كانت السلطة الفلسطينية التي تعتمد على الدعم الأميركي والأوروبي رفضت الضغوط وشاركت في القمة فكيف ستقبل بها دول كبرى مثل السعودية ومصر؟

لعل غياب بعض القادة العرب عن القمة يرجع أساسا إلى عدم رضا عن سياسة سوريا تجاه لبنان وليس لأسباب أخرى، وكان باستطاعة دمشق أن تلين موقفها مثلما ورد في تصريحات المعلم بعد القمة حول جهد سوري سعودي لتشجيع اللبنانيين على التوافق ولو جاء تصريح المعلم قبل القمة لجعل مجريات الأمور تتجه منحى آخر خاصة وأنه قال أيضا إن التوتر بين مصر وسوريا غيمة وتزول، وهنا يعترف المعلم أن لبنان كان سبب التوتر في العلاقات السورية مع كل من القاهرة والرياض.

صحيح هناك تباين عربي في النظر إلى قضايا كثيرة مثل العراق وفلسطين ولبنان لكن هناك تداخل في المواقف بين بعض المواقف العربية والأجنبية ولا نقول تداخلات، وهذا التداخل يمكن لمسه في موقف سوريا، من الأزمة الداخلية الفلسطينية وكذلك بالنسبة للبنان وإيران والعراق فالقضايا موضع الخلاف ينقسم العرب حولها إلى موقفين أو محورين محور معتدل متهم بأنه يدور في فلك الولايات المتحدة ومحور متصلب متهم بأنه يدور في الفلك الإيراني.

وهكذا تتحول الدول العربية إلى مجرد أقمار صغيرة تدور في فلك غيرها وكأن قضاياها أقل أهمية من مصالح الآخرين فلم يحدث أي تقدم يذكر بالنسبة للملف اللبناني أو الفلسطيني، فالملف اللبناني ما زال يواجه المأزق نفسه للمبادرة العربية التي تتحفظ عليها سوريا، والفلسطيني كان من المحتمل إذا حضر راعي المبادرة اليمنية الرئيس علي عبد الله صالح أن يجمع طرفي الأزمة أي الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل لتحريك المبادرة إلى الأمام بعد أن توقفت عند حدود تفسيرات متباينة فالرئاسة الفلسطينية تمسكت بالمبادرة .

كما هي دون الديباجة المثيرة للجدل التي أضيفت إليها في صنعاء في المحادثات بين وفدي حماس وفتح والتي اعتبرت المبادرة إطارا للحوار وليس للتنفيذ وعاد الرئيس الفلسطيني ليكرر مطالبته حركة حماس بالعودة عن انقلابها. وبالتالي فإن المبادرة اليمنية دفنت ولم يجر استدراكها في القمة لغياب الرئيس صالح بل جرى التأكيد على المبادرة دون آلية لمتابعتها. عمليا فإن قمة دمشق مثلها مثل المبادرة اليمنية رحلت الأزمات إلى الأمام ولم تحاول التوافق عليها.

وبالتالي لا نعرف عن أي نجاح يتحدث الوزير المعلم إلا إذا اعتبر انعقادها قبل ان تعقد نجاحا وانعقادها بعد ان عقدت نجاحا، فالأولى كان ألا تعقد طالما نجحت مسبقا لأن مقياس نجاح أي قمة ليس في انعقادها بل في نتائجها، ولم يلمس أحد أية نتائج للقمة بل إن انعقاد القمة بالصورة التي عقدت بها يعتبر فشلا للنظام العربي كله لأنه فشل في أن يجتمع على مستوى القمة فكيف سيمكن متابعة قرارات قمة كهذه.

لكن من بين كل القرارات الواردة في إعلان قمة دمشق لفت نظري قراران: الأول تغليب المصالح العليا للأمة العربية على أي خلافات أو نزاعات قد تنشأ بين أي من بلداننا العربية والتصدي لأي تدخلات خارجية تهدف إلى زيادة الخلافات العربية وتأجيجها، ثم هناك قرار بالمعنى نفسه وهو الوقوف معا في وجه الحملات والضغوط السياسية والاقتصادية التي تفرضها بعض الدول على أي من دولنا العربية. ولعل هذا بحد ذاته اعتراف ضمني بوجود تدخلات وضغوط لولاها لما عقدت القمة نصفية، ولكانت القمة ضربة «معلم».