يبدو أن إدارة الرئيس بوش، التي بدأت عهدها بحروب ساخنة؛ عازمة على وداعه بحرب باردة. أجواء هذه الأخيرة أخذت تتراكم، منذ أن قرر سيد البيت الأبيض توسيع حلف الناتو؛ وبوتيرة متسارعة. آخر حلقة، في العملية،كانت في استباق الرئيس افتتاح قمة الحلف، في بوخارست، يوم أمس؛ بزيارة لأوكرانيا، أعلن خلالها تأييده لانضمامها إلى الناتو.
والمعروف أن ترشيح هذه الأخيرة، مع جورجيا، لدخول الناتو؛ يلقى معارضة شديدة من موسكو، كما أنه أثار انقساماً حاداً بين الأوروبيين. بالرغم من ذلك ومن التداعيات السلبية التي قد يتركها هذا الدخول، على مجمل العلاقات الروسية ـ الأوروبية، عموماً، والروسية ـ الأميركية، بخاصة؛ إلاّ أن الرئيس بوش أصرّ على مواصلة السير في هذا الطريق. الأمر الذي أعطى شحنة جديدة من التأزم؛ أعادت التذكير بمناخات الصراع بين واشنطن وموسكو؛ قبل الانهيار السوفييتي.
الغرض من إنشاء الناتو، في أعقاب الحرب العالمية الثانية؛ كان للوقوف بوجه الخطر الشيوعي، كما قيل يومذاك. كانت مهمته دفاعية، لحماية أوروبا من القوة المدرعة الضاربة للجيش الأحمر. هذا الخطر صار في ذمة التاريخ، منذ أكثر من عقد ونصف من الزمن. مع ذلك سارع الناتو وزحف، نحو دول حلف وارسو المنهار، في أوروبا الشرقية؛ وراح يضمها إلى عضويته.
أخذت رقعته تتمدد وتزداد مساحتها. جاء الرئيس بوش، المتحمس بقوة لهذا التمدّد، ليتابع مسيرته. كان العدد 16 دولة غربية، قبل أن يتهاوى جدار برلين. اليوم، وصل عدد الدول الأعضاء فيه إلى 26. وإذا صار وانضمت كلّ من أوكرانيا وجورجيا؛ يكون الناتو قد استقر على طول العتبة الغربية للبيت الروسي.
هذا التوسع الاقتحامي السريع، الذي باشرته واشنطن؛ فور انفراط العقد السوفييتي؛ بدا من الأساس وكأنه أشبه بعملية مطاردة، للمركز الأصلي. بل بدا وكأنه ترجمة لسياسة، ترمي إلى تطويق موسكو وعزلها؛ كي لا تقوم لها قائمة بعد الآن. ناهيك عن القدرة على الخروج إلى ما وراء حدودها والعودة إلى لعبة المنافسة السابقة. مثل هذا التوجه ظهر إلى التداول، في الأدبيات السياسية الأميركية؛ بعد الانهيار. وحتى قبل مجيء الإدارة الحالية إلى الحكم. كل ما فعلته هذه الأخيرة، أنها مارسته باندفاع متميز.
ليس ذلك فحسب؛ بل هي ذهبت إلى أبعد من ذلك في خلق الظروف والمسببات التي رفعت من منسوب الجفاء، بين واشنطن وموسكو. الإصرار على نصب شبكة صاروخية مضادة، في بولندا والتشيك؛كان من أبرز هذه الأسباب. إدارة بوش زعمت أن الغرض من الشبكة، حماية أوروبا من خطر صاروخي إيراني. موسكو رأت فيها خطراً موجها ضدّها، عن طريق محاولة لتعطيل قدراتها الاستراتيجية.
الرئيس بوتين، المتكئ على وضع اقتصادي متعافٍ، كما على شبكة علاقات خارجية، قادرة على زرع العراقيل بوجه واشنطن في أكثر من مكان؛ أخذ على ما يبدو موقع التصدّي؛ وهو المأخوذ بهاجس استرجاع مكانة دولية لبلاده؛ كقوة كبرى، في العالم. وبذلك تكون الوصفة لحرب باردة جديدة قد توفرت عناصرها. الإصرار على توسيع الناتو، لا شكّ أنه لعب دوراً في تكوين هذا المناخ. وكأن إدارة الرئيس بوش لم يكفها ما خلقته من أجواء حروب ساخنة؛ خلال فترة حكمها. والله يستر من المتبقي من هذه الفترة.
