لقد أثلج الصدر ما سمعناه في قرارات القمة العربية العشرين في دمشق من الالتفات إلى الأخطار الكبيرة والتحديات العنيدة التي تواجه اللغة العربية والثقافة العربية، بما تتعرض له اللغة العربية من محاولات إقصاء، وقد بدا الحديث عن هذه الحالة صريحاً واضحاً، وهذا قرار يضاف إلى قرارات سابقة من أهمها قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم باتخاذ اللغة العربية اللغة الرسمية في كل شؤون الدولة إلى جانب أنها لغة التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات.

إننا نستبشر خيراً بتشخيص الحالة التي تواجهها الثقافة العربية الإسلامية من حملة شرسة تستهدف اقتلاعها واللغة العربية خاصة. وتكثر المؤتمرات العلمية التي تتحدث عن تراث الثقافة العربية الإسلامية وتاريخ العلوم عند العرب والمسلمين، وكيف أن اللغة العربية استوعبت مصطلحات العلوم الإنسانية والاجتماعية والتطبيقية ولم تضق يوماً عن استيعاب نتاج الفكر البشري.

وهي اللغة التي نجد آثارها جلية واضحة في اللغة العلمية والفكرية في العصر الحديث، مما يشير إلى دور هذه اللغة في تطوير المعارف والأفكار والعلوم في العصر الوسيط الذي كان رمزاً للتخلف والانحطاط والظلام في الغرب الذي كان يغرق في الجهل والتخلف.

ولعل هذه المبادرات التي تأتي في وقتها على صعيد دولة الإمارات أو على صعيد الوطن العربي كله تغرينا بالتفاؤل وبتقديم مقترح لا أشك لحظة أنه سيجد صداه لدى المسؤولين الغيورين في الوطن العربي وعلى رأسهم رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله، من إنشاء جامعة ثنائية اللغة في العلوم التطبيقية والطبية تدرس العلوم البحتة والهندسة والطب والصيدلة وتكنولوجيا المعلومات والعلوم الإدارية باللغة العربية في المقام الأول وبلغة أجنبية ثانية بالتزامن؛ بمعنى أن تدرس المواد كلها بلغتين أو أن تدرس بعض المساقات في المادة نفسها باللغة العربية وبعض المساقات الأخرى باللغة الأجنبية، في سبيل الخطوة القادمة بأن تدرس المواد باللغة العربية شريطة أن يكون الطالب مؤهلاً بامتياز للاطلاع الحثيث على المصادر الأساسية في المادة المعينة.

وتحقيق هذا المطلب ليس صعباً إذا قامت دراسة عاجلة لتحقيق التنفيذ بنجاح دون عقبات وعثرات؛ فالدراسة باللغة القومية أثبتت بالتجربة أنه يوفر على الطالب العقبات التي يحدثها حاجز اللغة، ولا بأس من التجربة التي تضع هذه الأفكار موضع التجريب. ولعل هذا الحرص على اللغة العربية يجد التجلي الأكبر له في العلوم التطبيقية البحتة التي لا تجد لها حضوراً في معظم مؤسساتنا التعليمية بدعوى أن هذه العلوم لا يمكن توطينها باللغة العربية أو بدعوى قلة المصادر والمراجع والمواد التعليمية باللغة العربية.

وقد علمتنا قيادتنا على وجه الخصوص أنه لا شيء يمكن أن يقصر دونه الطموح. ومقترحي هذا يمكن أن يتحقق في جامعة بعينها، قد تكون جامعة حكومية تتوافر فيها كل المعايير المطلوبة لجامعة قيادية على مستوى الإدارة والأساتذة والطلاب لتكون قدوة لجامعات تتأسى بإنجازاتها ونجاحاتها. وتبدو فرص النجاح مؤكدة حين تكون الجامعة ثنائية اللغة بالتزامن، مما ينعكس إيجاباً على المتعلم وعلى اللغة العربية والثقافة العربية في آن معاً.

نحن نعلم أن تحقيق هذا الأمر لا يؤخذ بالتهاون والبساطة فهذا الأمر يحتاج إلى جنود مجهولين همهم رفعة وطنهم وأمتهم وثقافتهم، يحفرون في الصخر ويستقطبون كل الجهود المتاحة والممكنة لجمع كل المواد والمناهج والبرامج والمصطلحات والأوعية التعليمية ونتائج التقويم في كل المؤسسات العلمية والمعاهد والجامعات لتكون المنطلق القوي أمام مؤسسة لن تعرف الفشل.

ولعل نجاح هذه الفكرة مرتبط بكل عنصر من العناصر المكوّنة لمثل هذه الجامعة؛ فالإيمان بنبل الغاية هو الحافز القوي للنجاح من الإداريين، إلى الأساتذة الذين يتجردون لهذه المهمة النبيلة، إلى الطلاب الذين يعون خطر الدور ونبل الهدف وعظم النتيجة التي لاتعود عليهم وحسب، وإنما تعود على الأجيال المؤمنة بأن هذه اللغة قادرة على إنجاز ما تنجزه اللغات الأخرى.

هؤلاء الطلاب الذين لا يقف دورهم عند التعرف إلى العلوم بلغتهم بل يعملون في تحد واضح إلى حيازة العلم باللغات الأجنبية الأخرى التي يتقنونها أشد إتقان. لقد قلنا في غير موضع لا أحد يمكن أن يوطن العلم بغير لغته، حتى يصبح العلم مستقراً في لغتنا وفي بيئتنا، ننافس ولا نقلد، نطور ولاننكص، واعين دورنا في هذه الحياة التي لا تعرف التهاون والتي تدير ظهرها لكل متخلف.

وإذا كان العالم اليوم في بقاع كثيرة يبصر العربية بعين التقدير والرغبة الصادقة في تعلّمها والتعرف على كنوزها الزاخرة في مجالات الفكر والآداب، ويتجه نحو تصحيح النظرة القاصرة التي ظلت تتهم الثقافة العربية واللغة العربية بالجمود والتخلف فينشئ المراكز ويدعم الراغبين في تعلم العربية ويكتب الرسائل للجامعات العربية يطلب الدعم والتعاون لنشر اللغة العربية في العالم، لأنه يراها لغة تستحق التقدير تحمل آثارا وتراثا يستحق أن ينشر في العالم كله.

وإذا كنا اليوم نسعد بالزائرين غير العرب الذين يحملون العربية في قلوبهم ويدافعون عنها دفاع العاشق العارف الذي كشف لها الصبر والتعلم والبحث عن جمال هذه اللغة وقدرتها فإنه حريّ بأبناء العربية أن يكونوا على قدر ما يتوقع منهم تجاه لغتهم وتجاه أمتهم ومستقبلهم.

وإنه حريّ بهم أن ينهضوا بها في أرضها ويقوموا بواجبهم الوطني والقومي والإنساني تجاهها كما يفعل الآخرون للغاتهم. فكم سيكون جميلا حين نرى لغتنا سيّالة على ألسنة أبنائنا وفي كتاباتهم! وكم ستتغير الدنيا حين تملأ أروقة الجامعات بصدى العربية يتردد بين قاعات الدرس وفي عقول الدارسين وقلوبهم. كم سيكون الأمر مختلفا حين تتكلم أرضنا بالعربية.

إنني أرى أنّ مشروعا كهذا إذا وجد الدعم والإخلاص والمثابرة قد يغير في واقع العلوم التطبيقية في عالمنا العربي، فلا يكفي أن يحقق المتعلمون مستويات عالية في تحصيلهم العلمي باللغة الأجنبية، لأن الأمر لا ينتهي هنا، إنه في الحقيقة يبدأ من هنا، والمطلوب أن ننشر هذا التحصيل وأن نسهم فيه وأن يكون لنا موطئ قدم ثابتة في عالمه الذي لا يقف عند حدّ، ولم يحقق أحد قبلنا هذا ـ على حد علمي ـ إلا وهو يجيد الأخذ والعطاء في مجال تخصصه بلغته الأم كما يجيدها باللغة الثانية.

جامعة الإمارات

<a href="mailto:Ltfibrahim@yahoo.com >Ltfibrahim@yahoo.com