ما زالت حملات التشويه والتضليل والإساءة للإسلام مستمرة حاملة في ثناياها الحقد والكراهية والفتنة مستهدفة الآخر من خلال التشهير والتضليل والتشويه والصور النمطية لزرع الصراع والصدام بين شعوب العالم. فمن الأخبار والدراسات والتحليلات إلى الرسوم الكاريكاتورية إلى الأفلام إلى غير ذلك من المنتجات الإعلامية والثقافية التي تتخذ من وسائل الاتصال المختلفة والانترنت وغيرها من الوسائط الإعلامية قنوات للتلاعب بالعقول والتأثير في الرأي العام.

الموضوع هذه المرة يتعلق بفيلم «فتنة» لمخرجه المتطرف النائب اليميني الهولندي غيرت فيلدرز الذي أصر على عرض الفيلم رغم تحفظات مقربيه ومسؤولين كبارا في الحكومة الهولندية ورغم تحذيرات المنظمات الإسلامية عبر العالم. الفيلم يقدم القرآن الكريم كمحرض على العنف وإقصاء الآخر.

كما يحذر من أن المهاجرين المسلمين يعرضون الغرب للخطر. الفيلم الذي جاء في 15 دقيقة يعكس الحقد والكراهية التي يكنها غيرت فيلدرز للإسلام والمسلمين، كما يكشف حقائق الجهل وعدم الإلمام بموضوع لا يعرف عنه النائب الهولندي سوى الحقد والكراهية ويجهله تماما.

يعرض الفيلم صورا لهجمات 11 سبتمبر 2001 على مركز التجارة العالمي في نيويورك وتفجيرات أخرى تصاحبها آيات من القرآن. كما يحذر الفيلم من الأعداد المتزايدة للمسلمين في هولندا وباقي الدول الأوروبية وانتشار الإسلام على حساب المسيحية والديانات الأخرى والخطر الذي تمثله هذه الظاهرة على القيم الديمقراطية وعلى الحرية واحترام حقوق الإنسان والحريات الفردية في الدول الغربية وباقي دول العالم. الفيلم ينتهي إلى تحذير من خطر كبير حسب المخرج الذي يوصي بـ «أوقفوا الأسلمة..دافعوا عن حريتكم».

ويقول النائب الهولندي أن الفيلم لا يهدف الاستفزاز لكنه يحذر من الخطر الذي يشكله الإسلام على الغرب وأن فيلمه لائق ولا يخالف القانون الهولندي. كما يقارن فيلدرز الإسلام بالفاشية ويطالب بمنع القرآن في هولندا. فيلدرز يربط الإسلام بالإرهاب ويرى في انتشار الإسلام في العالم وبخاصة في أوروبا خطرا قد يهدد الديمقراطية الغربية في عقر دارها.

أهم ما ميز تداعيات فيلم «فتنة» هو ردود الأفعال التي أفرزها حيث أن مسؤولين كبار، في هولندا وفي أنحاء مختلفة من العالم أدانوا الفيلم. وزير خارجية هولندا ورئيس وزرائها أعتبرا الفيلم «لا يخدم أي هدف سوى أنه يسبب إساءة»، ومن جهته أعتبر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الفيلم إساءة لدين يعتنقه 1 .3 مليار نسمة في أنحاء المعمورة. أما الأمين العام لمنظمة الفرانكوفونية عبدو ضيوف فقد صرح من نيويورك بـ «أن الخلط بين الإسلام والتطرف الإسلامي أو بين الإسلام والإرهاب أمر غير مقبول بتاتا». أوساط سياسية وثقافية غربية ومن جميع أنحاء العالم أكدت في ردود أفعالها إزاء الفيلم على ضرورة احترام الأديان ومعتقدات الآخرين وعدم استخدام حرية التعبير ذريعة للإساءة إلى معتقدات الآخرين وللتحريض على الحقد والكراهية وعدم التسامح والتفاهم والتكامل بين الشعوب والأمم والدول.

وهنا نلاحظ وجود وعي حتى في الغرب بالتصرف غير اللائق وغير المسؤول لجهات همها الوحيد هو التجريح والتشهير والتضليل والتشويه من أجل زرع الفتنة والكراهية والحقد والصراع بين الديانات والثقافات والحضارات.

فالمواقف العنصرية التي يشهدها العالم والصراعات والصدامات التي تحدث هنا وهناك من حين لآخر ما هي إلا انعكاس لوضع إعلامي وثقافي ملوث وغير قائم على أسس مهنية واضحة وعلى قيم أخلاقية تحترف ديانات وخصوصيات الشعوب والأمم والثقافات. فعندما ينّظر المثقفون والسياسيون من خلال الوسائط الإعلامية والثقافية للعنصرية وللحقد وللكراهية فهذا يعني أن الأمر خطير وقد وصل إلى درجة تحنيط العقول وتأجيج النعرات والصراعات والأزمات بين الشعوب ودول العالم.

فيلم «فتنة» كشف عن أنه لا جدوى ولا فائدة من وراء حملات الاستفزاز والتشويه والتضليل والإساءة للآخرين وأن مثل هذه الإساءات لا تحقق شيئا إلا الكشف عن ضعف وجهل الجهة التي تلجأ إلى الاستفزاز والنيل من كرامة ومقدسات الآخرين. النائب الهولندي كشف عن جهله للقرآن وللإسلام وعن جهله حتى للقانون الهولندي وهو يحتل منصب نائب في سلطة تشريعية.

ردود الأفعال من داخل أوروبا وخارجها ومن منظمات دولية تؤكد أن التعايش بين الديانات والحضارات والشعوب لا يتأتى إلا من خلال الحوار والتفاهم والعمل على فهم الآخر للتعايش معه في أمن وأمان. كان من الأجدر بفيلدر دراسة الإسلام وفهمه ودراسة تاريخ العلوم عند المسلمين ومحاولة فهم الإسلام والحكم عليه من خلال الكتاب والسنة وليس من خلال بعض السلوكات غير السوية لبعض الأفراد الذين يدعون الإسلام وهم لا علاقة لهم بالدين الحنيف.

الدرس الأول الذي نستخلصه من فيلم «فتنة» هو ضرورة ممارسة حرية التعبير في إطار القانون وفي إطار الحرية المسؤولة التي تلتزم بعدم التجريح والتشهير والمساس بأديان ومقدسات الآخرين. حيث أن الحرية غير المسؤولة تؤدي إلى الفوضى وإلى التهريج وإلى الإساءة للآخرين وللمجتمع ككل سواء كان محليا أو دوليا.

وهذا يعني أن الحرية التي تسييء إلى الآخرين عن طريق الجهل والاستفزاز والازدراء والنوايا السيئة تصبح فوضى ومناقضة للحرية تماما ولا علاقة لها بالمبادئ العليا للحرية. من جهة أخرى لا يجب استخدام حرية التعبير كذريعة للإساءة إلى معتقدات الآخرين والتحريض على الحقد.

وهذا ما يقودنا للدرس الثاني وهو الإسراع بوضع قانون دولي يعاقب من يتطفل على الأديان والمعتقدات ويستعملها للتحريض على الكراهية والحقد واقصاء الآخر. فمن واجب المنظومة الدولية وليس العالم الإسلامي لوحده مواجهة الإساءة إلى الأديان وإلى المبادئ والقيم الإنسانية السمحة وهذا من خلال ميثاق يؤطر احترام الأديان ومعتقدات الشعوب من أجل حوار الحضارات والديانات ومن أجل تعايش مبني على الاحترام المتبادل للمعتقدات والديانات والثقافات المحلية.

تصرفات فيلدرز وغيره من الشواذ لا يجب السكوت عنها لأنها إذا بقيت بدون معالجة علمية ومنهجية فإنها تؤدي إلى إفرازات وتداعيات خطيرة من شأنها أن تخلق فضاءات تسيطر عليها العنصرية والحقد والكراهية وثقافة إقصاء الآخر.

فيلم «فتنة» هو ليس إساءة للإسلام فقط وإنما هو إساءة للبشرية جمعاء وإساءة للقيم والمبادئ الإنسانية في جميع ربوع العالم. فيلدرز أختصر الإسلام في الإرهاب وأعتبره خطرا زاحفا على أوروبا يجب التصدي له. الخطر الحقيقي هو أمثال فيلدرز الذين يجهلون ديانات الآخرين وثقافات الآخرين والذين يغذون جهلهم بالحقد والكراهية والضغينة ليس لبناء جسور المحبة والتآخي والتلاحم بين شعوب العالم وإنما لزرع الفتنة ونشر ثقافة الاقصاء والصراعات والأزمات والحروب في أنحاء العالم.

كلية الاتصال ــ جامعة الشارقة