هناك جزرة غير مصحوبة بعصا.

هل بوسع دول الجامعة العربية أن تقول للإسرائيليين: وافقوا على المبادرة العربية.. و«إلا»®®.؟

«العصا لمن عصى» يقول المثل العربي. لكن بينما تعرف إسرائيل ان لدى العرب حزمة من العصي فإنها تدرك أيضاً أن الدول العربية تنقصها الإرادة اللازمة لاستخدامها، وتمعَّن في الصورة العربية العامة من المنظور الإسرائيلي وعناصرها التكوينية نجدها:

دولاً عربية ترى في إسرائيل دولة صديقة.. أو على الأقل دولة غير عدو لا يصح إغضابها أو استفزازها.

غالبية الدول العربية ترى في علاقتها مع الولايات المتحدة ـ الشريك الأعظم لإسرائيل ـ ارتباطاً استراتيجياً.

الاعتقاد الغالب في أوساط النظام العربي الرسمي هو أنه لا يوجد «صراع عربي ـ إسرائيلي».

وهذه العناصر تتفاعل على خلفية عنصر رئيسي يتمثل في شقاق فلسطين بين قسمين انخرط أحدهما في تبني الأجندة الاستراتيجية الأميركية ـ الإسرائيلية إلى درجة اعتبار المقاومة الوطنية المسلحة ضرباً من الإرهاب ينبغي محاربته بفرض استئصاله، ورغم هذا كله فإن الرفض الإسرائيلي للجزرة العربية المعروضة يبدو محل غير قليل من الاستغراب.

فالمبادرة العربية تعرض على إسرائيل اعترافاً جماعياً كاملاً بوجودها كدولة شرعية آمنة من كافة الدول العربية دون استثناء على أن توافق الدولة اليهودية على تصفية وجودها من الأراضي العربية الواقعة تحت احتلالها منذ عام 1967، إنه عرض سخي بأي معيار قانوني أو سياسي أو أخلاقي، فلماذا الرفض؟

هنا موقف يدعو للاسترابة، مشروع المبادرة العربية مبني على افتراض بدهي بأنه ليس لدى إسرائيل اعتراض من حيث المبدأ على الجلاء من الأراضي العربية المحتلة، وأن غاية ما تطلبه هو فقط ضمان أمنها المستقبلي بأن تحظى باعتراف عربي كامل وشامل، لكن يبدو أن هذا الافتراض خاطئ من أساسه، والأرجح هو أن الدولة اليهودية لا تريد بحال من الأحوال أن تفرط في مخطط «إسرائيل الكبرى» الذي يقضي بضم الأراضي المحتلة ـ خاصة «يهودا والسامرا».

أي الضفة الغربية لنهر الأردن ـ إلى السيادة الإسرائيلية، ومما يضاعف من الريبة أن الدولة الإسرائيلية لا تريد منذ قيامها وحتى اليوم رسم حدود جغرافية نهائية ورسمية لنفسها، مما يدعو إلى التأكد بأن «إسرائيل من النيل إلى الفرات» ليس مجرد شعار خالي المضمون.

الرفض الإسرائيلي للمبادرة العربية على سخاوتها ليس له تفسير سوى ذلك، ولكن مما يشجع إسرائيل على المضي قدماً أن الجزرة العربية ليست مصحوبة بعصا.

من المشهد العربي العام تستخلص إسرائيل أن الطابع الغالب على المشهد هو بعض الأنظمة الاستبدادية تقهر شعوباً مستسلمة، وباتت معظمها مسكونة بهاجس الشظف المعيشي بعد أن تلاشت الطبقة الوسطى، وطبقة المفكرين والمثقفين والمهنيين المؤهلة للزعامة الشعبية، فهل «قضية العرب الأولى» هي تحرير فلسطين أم تحرير الوطن العربي ذاته؟