بالنهاية، «ذاب الثلج وبان المرج». النتائج «السلمية» البائسة، التي أسفرت عنها زيارة كوندوليزا رايس إلى المنطقة، كشفت بلا لبس؛ أن كل المقصود كان محاولة تلميع صورة الرئيس بوش، قبل وصوله الشهر القادم؛ للمشاركة في احتفالات إسرائيل، بمرور ستين سنة على قيامها. لا أكثر ولا أقل. فهو صاحب أنابوليس. وقد مضى أكثر من ثلاثة أشهر على هذا الأخير، من دون أي تقدّم. لا بل حصل، على الأرض؛ من جانب إسرائيل، ما يناقضه ويهدّد العملية برمتها.

ثم إنه بات على مسافة عدة أشهر فقط، من نهاية ولايته الثانية والأخيرة. فلا يصحّ أن يأتي إلى المنطقة، في آخر زيارة له، ليشارك إسرائيل أفراحها وتكون هذه الأخيرة قد ضربت عرض الحائط، جهاراً ونهاراً، بكل كلامه عن نيته في رؤية فكرة الدولتين وقد تحققت قبل مغادرته. في ذلك ما يدنو من الإهانة له. لذا كان لا بدّ من إعداد المسرح بما يكفل، على الأقل، إزالة مثل هذه الصورة، غير اللائقة ولا المقبولة.

وضع الزيارة تحت هذا السقف المحدود، تكشفه طبيعة المطالب الشكلية، التي فاتحت الوزيرة، حكومة أولمرت، بها. فقد سألت الإسرائيليين، وفق ما تردد، تنفيذ ثلاثة أمور أخرى:

ـ فتح طريق، تكون خالية من الحواجز، لتنقل الفلسطينيين بين شمال الضفة وجنوبها.

ـ الموافقة على إرسال عدة آلاف من رجال الشرطة الفلسطينية، إلى الأردن؛ لغرض الخضوع لدورات تدريبية.

ـ السماح لفلسطينيي الضفة بالمرور إلى غزة، بغرض الزيارة أو الأعمال.

حتى مثل هذه المطالب، المتواضعة، اعتبرها الإسرائيليون من الصنف «المستحيل». طبعاً بزعم أنها تنطوي على تهديد لأمنهم... وبأنها قد تؤدّي إلى تأليب الرأي العام الإسرائيلي ضدّ الحكومة.

أبعد ما ذهبت إليه حكومة أولمرت، كان السماح (؟) للفلسطينيين ببناء مدينة جديدة ـ في أرضهم ـ شمال رام الله وإزالة حاجز عسكري واحد و47 حاجزاً ترابياً ـ عملوا منها بالإشاعة والترويج خمسين حاجزا عسكريا ـ واعتبروا أن ذلك، بالإضافة إلى عرض منح عدة مئات من تصاريح العمل والتنقل، يشكل خطوات إسرائيلية «خارقة».

أما الاستيطان فقد حرص أولمرت، بحضور رايس، على التأكيد بأن قطاره لن يتوقف. «لم نعد ولا يمكننا أن نعد بوقف البناء في الأماكن التي نعرف أنها ستبقى ضمن حدود إسرائيل؛ بعد الاتفاق على تسوية دائمة، خصوصاً في مدينة القدس الكبرى». كلام واضح، لا يحتاج إلى تفسير واجتهاد.

تبع ذلك إعلان حكومته عن عزمها بناء عدة مئات من الوحدات السكنية الجديدة. الوزيرة اكتفت بالرد، خلال مؤتمرها الصحافي، بأن المفاوضات لا تتأثر بما يجري على الأرض... وأضافت بأنها لا تزال تتمسك «بوقف المستوطنات»... تناقض صارخ في الموقف. هي تعرف أن المستوطنات، تشكل العلة الأكبر، في طريق السلام. وتعرف أن «التمسك» وحده، بوقفها؛ لا يكفي. فرض هذا الوقف، هو المطلوب؛ إذا ما أريد لعربة السلام أن تنطلق على السكّة التي توصلها إلى المحطة المنشودة. والفرض له لغته. وقد جرى استخدامها في السابق.

يروي بريجنسكي عن كامب ديفيد؛ انه عندما أصرّ بيغن على وضع العقدة في المنشار؛ ردّ عليه الرئيس كارتر محذراً بأن واشنطن قد تعيد النظر بعلاقتها مع إسرائيل. التقط بيغن جدّية التحذير، ليعود بعد دقائق عن عناده. طالما بقيت إدارة بوش عازفة عن مخاطبة إسرائيل بهذه اللغة؛ فالأجدى أن تكف عن مواصلة الحديث والتحرك في عملية، لا شيء يدل على أنها سوى «طبخة حصى».