لا يجادل أحد في أن أزمة الخبز التي تشهدها مصر – وهي جزء من أزمة اقتصادية شاملة – تعد مشهداً تاريخياً، فالبلد الذي واجه هزيمة يونيو 1967 دون أن تترتب عليها أزمة خبز، وشهد بعدها بعشرة أعوام احتجاجا على ارتفاع أسعار اللحم وخرج الغاضبون يهتفون: »سيد بيه يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه«، هذا الشعب يواجه بعد حوالي ثلاثين عاما من هذا المشهد أزمة خبز خانقة!

ومن البديهي أن تنصب التحليلات على ما هو إداري أو أخلاقي أو قانوني في الأزمة طالما أن المنهج الذي يتم في إطار مسلماته حل الأزمة هي نفسها لم تتغير رغم ما حدث في مصر وفي العالم من تغيرات، وأول هذه المسلمات أن الدولة مسؤولة عن رغيف الخبز، وبالتالي مطالبة بأن تجيش قدراتها لاستمرار »القطار« على نفس القضبان، حتى لو كانت محطته الأخيرة »جهنم«!

أزمة رغيف الخبز شهادة وفاة تأخرت كثيرا لسياسات اليسار المصري التي قامت على فكرة أن »الأهداف« التي يجب على الدولة تحقيقها مقدسة بحد ذاتها، وأن الوسائل »لتحقيق« هذه الأهداف هي الأخرى مقدسة بالدرجة نفسها، فالعدالة الاجتماعية لا يمكن تحقيقها إلا بالاشتراكية، وبالتالي تصبح الاشتراكية موضوع »إجماع وطني« وهو في الحقيقة موقف ديني يتخفى وراء ديباجات وطنية.

ومع تعدد الإجماعات الوطنية تضيق مساحة السياسة والمواءمة المفاوضة والابتكار ويصبح الطريق إلى الجنة بسيطا جدا: دولة قوية تسيطر على الموارد والأرزاق والإعلام والأحلام والأفكار... . وبالطبع الخبز.

لكن التجربة في بلادنا وغيرها أن هذا يؤدي إلى تضخم الدولة وانشغالها بتوزيع الموارد على تعظيمها وبالتالي يحل »الموظف العمومي« محل »السمسار الرأسمالي« الكلاسيكي ويصبح هناك عشرات الوسطاء الرسميين وغير الرسميين بين الناس ومواردهم.

ويتولى الخطاب التحريضي الثوري الدفاع عن الوضع القائم، وبينما يعد »التغيير« في الدنيا كلها أول معاني الثورية، فإنها في التجربة المصرية أصبحت ملازمة لفكرة الثبات بل القتال لتثبيت ما هو قائم، ومن ثم تمتد القداسة خطوة أخرى من الهدف (العدالة الاجتماعية) إلى الوسيلة (الاشتراكية)، ومنهما تصل إلى الأداة (القطاع العام) وهنا يصبح كل شيء غير قابل للنقاش، لا الهدف ولا الوسيلة ولا أداة التنفيذ.

وبسبب هذا النزوع التقديسي فإن المخالفين سواء كانوا معترضين على العدالة الاجتماعية بوصفها عملية هدفها »التسوية« لا »المساواة«، أو كانوا معترضين على الوسيلة ممن يرون أن العدالة الاجتماعية يمكن تحقيقها من خلال توزيع العوائد لا من خلال الإصرار على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، أو. .. . كل هؤلاء لا تجوز مناقشتهم ولا تقييم اجتهاداتهم بل يجب تصنيفهم بوصفهم بأوصاف مثل: العملاء الخونة أعداء الشعب ذيول الرأسمالية....إلى آخر القائمة.

والمثير أن المثال المصري بالتحديد فيه شيء شديد الغرابة، فالنظام منذ منتصف الثمانينات تمتلئ مفاصلة برجال اليسار الناصري والماركسي الذين تربوا في التنظيمات السياسية لعهد عبد الناصر (التنظيم الطليعي – منظمة الشباب – الاتحاد الاشتراكي) وهؤلاء هم من رسم السياسات الاقتصادية الرسمية المصرية خلال السنوات العشرين الماضية.

بينما في الوقت نفسه كانت الشرائح الأعلى صوتا من المعارضة لهذه السياسات تنتمي إلى هذه التنظيمات، أي أن اليساريين المصريين انقسموا إلى فريقين: أحدهما يرسم سياسات النظام والثاني يشتمها، وكلاهما كان وما زال يرى أنه »يفسر« الوطنية حسب اجتهاده، فتحويل الوطنية إلى »دين« حولها من موضوع يمكن تقييمه بشكل منطقي إلى شعور صوفي باطني غامض يقبل التأويل بالشيء وضده.

والقضية في بعدها السياسي تنذر بمخاطر كبيرة لأن الصوت الأعلى على الساحة هو لمن يؤكدون أن الطريق واحد لا يقبل الاجتهاد وأن كل اختلاف مع قناعاتهم »خيانة« لا يمكن النقاش مع أصحابها وبالتالي فإن المفهوم السائد للوطنية أصبح قيدا على اختياراتنا ومستقبلنا.

والظاهرة كلها جرس إنذار للمخاطر الجمة التي يمثلها استمرار الطغيان الكبير للنموذج الفرنسي/ الألماني في التنظيم السياسي كمثال واحد ووحيد في النظر إلى الدولة ودورها (وهي في هذه النموذج بالضرورة دولة مركزية).

وبالضرورة قائمة على نوع مقيت من الجماعية الطاغية التي تسحق الفرد وتعاديه وتسلبه معظم حقوقه، فتقيد حرية الامتلاك وصنع الثروة بدعاوى اجتماعية وتقيد حرية السلوك الشخصي بدعاوى أخلاقية.

وتقيد حريته في الاختيار السياسي بدعوى حماية الأمن القومي، ثم تنتهي إلى كوارث: (هزيمة نابليون في واترلو 1815 – هزائم ألمانيا المتتالية وصولا إلى هزيمة هتلر 1945 – الانهيار المأسوي للاتحاد السوفييتي... .)، ويمكن ببساطة مد الخط على استقامته حتى زوال نظام صدام حسين.

وفي الحقيقة فإن الأزمة التي تعيشها مصر سواء اعتبرناها أزمة خبز أو أزمة اقتصادية شاملة تبدأ من الدور التربوي للدولة حيث تربي الناس على مفاهيم معادية للفطرة الإنسانية تحكم على مسيرتهم كلها بأن تكون مسيرة متعثرة من فشل إلى فشل.

وقد سجل المؤرخ المعروف ويل ديورانت في كتابه »قصة الحضارة« جانبا مهما من هذه الظاهرة، ففي عام 1809 »تم تعيين فيلهلم فون همبولدت (1767 – 1835) وزيرا للتعليم في بروسيا، وأعطى لنفسه صلاحيات تجعل إصلاحاته نافذة المفعول...

وانتشر التعليم ليشمل كل الطبقات واتسعت موضوعاته وأعراضه، ورغم التركيز على دراسة الدين كدعامة أساسية للشخصية، فقد كان المعلمون الرسميون يركزون على الوطنية كدين جديد في مدارس ألمانيا ــ تماما كما فعل نابليون في مدارس فرنسا، إذ جعل الوطنية هي اللاهوت الجديد«.

انتهت عبارة ديورنت بنصها الحرفي. وبقي أن نسأل عن الحكم الشرعي لتحويل الوطنية إلى دين، وما إذا كان هذا »اللاهوت الجديد« يطمح إلى إزالة الأديان السماوية ليحل محلها تماما، وبقي أن ننبه – في النهاية – إلى المخاطر الكبيرة التي سوف تترتب عليها حتما ما لم تكن هناك مراجعة واضحة صريحة لمفهوم الوطنية السائد في ثقافتنا.

كاتب مصري