اعتدنا كشعوب عربية على أن يتحول الإعلام الرسمي إلى لسان سليط وحاد يفقد لياقته كلما اختلفت الأنظمة فيما بينها، وحالما يتم تسوية الأمور وترطيب العلاقات يعود ذلك اللسان القاطع إلى عسل يقطر جملا من الألفاظ التي لم يقلها شعراء المدح في تاريخ العرب.
هذا النوع من الإعلام فقد احترام الشارع السياسي، وصار ينظر إليه بحالة من عدم المصداقية لكونه ما عاد إعلاماً نقدياً وموضوعياً حتى في فترة توتر العلاقات بين الأنظمة العربية الشقيقة، غير أننا لا نتعجب من إعلام من هذا النموذج فهو يعكس منطق ولغة الساسة أنفسهم الذين ينزلقون للانفعال والعاطفة الغاضبة.
هاهم وزراء الخارجية العرب انتهوا من مهماتهم في دمشق وغادروا دون أن يزيحوا العقبات الكبرى عن طريق القطار العربي المتعثر كالعادة في انجاز نقل القضية العربية وشعوبها نحو وجهتها المطلوبة، فالشعوب العربية ليست المرة الأولى التي ترى كيف يتلاسن القادة العرب عبر وسائل إعلامهم الرسمي، فيتقاذفون خطابات بلغت حد الشتائم والاتهامات القصوى.
وقد غادر الوزراء العرب قاعاتهم تاركين للقادة العرب للدخول مكانهم لحلبة السياسة دون أن يكتمل العرس السوري، فقد تخلف عن الحضور ما يقرب من نصف الزعماء والرؤساء العرب، من الأردن والمغرب ومصر واليمن والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان والعراق ولبنان الذي غاب بالكامل دون تمثيل نتيجة الأزمة المستفحلة داخليا بين قوى المعارضة والموالاة، وهو رقم قياسي في تاريخ القمم العربية، مما يعني في الواقع رقما قياسيا في «الاستثناء المتناهي في الغياب».
هذا الصدع العربي بدأ شرخا صغيرا ثم تطور إلى مجموعة من التمزقات بحيث خلقت بالضرورة مع الوقت نوعا من الانقسام الطبيعي في كيان الجامعة العربية غير القادرة على معالجة المشاكل الفعلية، بل وبات كيان بائس يلم نكساته، مما وضع الأمين العام للجامعة عمرو موسى في وضع دفعه أن يتفوه بجملة تراجيدية حقيقية عن وضع الجامعة العربية وعن نفسه عندما قال «انه حمال الآسية» مما ذكرنا بأغنية المرحومة فايزة احمد «حماّل الآسية يا قلبي».
ومع ذلك فان القمة العشرين علامة تاريخية فارقة بجدارة كونها دفعت بقطارنا العربي نحو حافة الهاوية، حيث فرز هذا التأزم ثلاث تيارات داخل الواقع العربي وفق تصنيفنا. الاتجاه الأول ـ وبالطبع ليس تصنيف إعلام المتناطحين ـ الذي بدا أكثر مزايدة من الزعماء أنفسهم.
حيث يعتبر الاتجاه الأول معتدلا وفق الواقع العالمي الجديد، فبدا كأنه محور جديد خاصة مصر والسعودية والأردن، أما الاتجاه الثاني وهو يشكل القطب المواجه بمفرده وهي سوريا التي بتشددها من اجل ثوابتها في الدفاع عن معتقداتها العقائدية، وبأنها المدافع الجسور عن الأمة وهويتها المعرضة للضياع في أزمنة «الفيروس الأميركي» وهو الوصف الذي تحبب أن يطلقه الإعلام السوري على المحاور والدول التي تخلف زعماؤها عن الحضور، بينما ظل الاتجاه الثالث هو تلك الدول جميعها، التي تفضل أن ترى ضرورة أن تعالج الأمور بنوع من التوازن داخل الوضع العربي المتجاذب والمختلف بسبب عدة ملفات.
ومن أهمها الملف اللبناني مركز وعصب النزيف والأزمة في قمة سوريا، وبذلك تنتج لبنان الصغيرة بجراحها نوعا من القدرة على خلق الانقسام وعزل سوريا عن بعض الدول التي تحولت في هذه القمة إلى اصطفاف بدا وكأنه محور وراء الكواليس، دون أن يتم الإعلان عنه تجنبا للمزيد من الاتهامات، مما يعني أن لبنان قادر على عرقلة سوريا بأشكال مختلفة مثلما عرقلت سوريا الوضع اللبناني منذ خروجها منه عسكريا. غير أن الاتجاه الثالث ليس بالضرورة منسجما مع الاثنين في كل شيء إنما تجاوزا تم تصنيفه في هذه القمة التي لا بد وان تفرز أيضاً حوارات ساخنة إزاء الملفات والبيان الختامي.
أما لماذا غاب غالبية الزعماء العرب بهذه الصورة الاستثنائية؟ فان ما تم تناوله في الصحافة العربية والأجنبية قيل فيه من الكفاية إلى حد الشطحات والعبارات المقيتة، غير أن الخلاصة السورية كانت هي الأهم وهي «وضع اللوم الثابت والمستمر على طرفين أساسيين هما الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولكن جديد هذه القمة هو الرئيس الفرنسي الذي أثار هدوء وحفيظة إعلام دمشق وتصريحات المسؤولين فيها فكان مضحكا إلى حد الاندهاش، بقولهم إننا لا نتدخل في القمم الأوربية!! وكأنما الأوربيون منعونا من توجيه النقد لهم أو التدخل في سياساتهم المنحازة فتم قلب المسألة فبدينا قوة دولية مؤثرة ونسينا أننا غير قادرين على التأثير في دول افريقية!.
والمثير هذه المرة التلاسن الحاد بين الإعلام المصري والسوري، وقد تم في الأسابيع الأخيرة حتى لحظة اقتراب موعد انعقاد القمة، وانكشف غطاء الحقيقة في مستوى التمثيل فصارت اللعنات موجهة على لقاءات كوندوليزا رايس المكثفة في المنطقة وجولات تشيني مؤخرا، مما جعل الإعلام السوري يطلق قذائفه نحو «دائرة الاتهامات» والفيروس الأميركي.
بعد مدة سنجد القطار العربي القديم يصفر في الصحراء، بحثا عن رحلة جديدة للقمة الحادية والعشرين، وسيعود الوسطاء لطبطبة الأكتاف وتطييب الخاطر من أجل «مصالح الأمة وشعوبها» متناسين أن الأزمة الحقيقية في القمم العربية أنها رؤوس بلا أجساد تحملها، وإذا ما نفضت عنها غفوتها تذكرت أن الجميع محاط بالدسائس الخارجية، وتحاك ضد دوله وشعوبه خطط هادئة، بعضها التقسيم وبعضها الحروب الأهلية والطائفية، مما يجعل قادتنا يهرعون كل مرة بشعار «تعالوا نجتمع ولو من أجل قواسمنا المشتركة» ونضع خطوطا حمراء لا ينبغي أن تتجاوزها الأمزجة.
ولا تلعب بها أهواء المواقف العقائدية المتناقضة بين أطراف الجامعة العربية. فالجميع من شعوبنا يدرك حقيقة طبيعة كل نظام عربي، وكيف تدار سياساته الداخلية والخارجية، والمرهق الوحيد فيما بينها هو أمين جامعتها، والأكثر ألما فيها حاليا خمس دول عربية هي فلسطين والعراق ولبنان والسودان والصومال، فلكل منها معزوفته السياسية الخاصة.
فهل قمة من هذا النموذج المنقسم ستكون قادرة بالفعل على وضع حلول عملية لمعالجة أزمات عميقة، أم انه سينتهي ببيان إدانة وتشخيص للواقع المرير، دون إمكانية معالجة حقيقية للمشهد السياسي العربي في قمة غابت منها كتلة عربية كبيرة وحضرته كتلة مجبرة على الوقوف بين شطري النزاع لعلها تمسك بخيط المودة العربي لكي لا ينقطع نهائيا، أو يذهب لما هو أسوأ، وقد تكون لبنان ساحة التجريب الأسوأ للصدمات المحتملة.
كاتب بحريني