منذ انطلقت الفضائيات العربية التي تعنى بالطفل العربي، واستبشرت الأسر خيراً من هذه الخطوة غير المسبوقة حتى فترة ليست ببعيدة، وكان رد الفعل المبدئي قد اختصر رغبات ظلت تراود الأهل في ضرورة عزل الطفل عن برامج الكبار وإعطائه فرصة ليستمتع ببرامجه الخاصة التي تحترم براءة طفولته وتلهمه في الوقت نفسه وتتيح له مجالاً كي يتعرف على جوانب الإبداع في ذاته من خلال مخاطبة الروح والعقل وتلمس البيئات الثقافية التي يمكن تقديمها بأسلوب تشويقي بعيداً عن التلقين.

وما أن خرجت لنا هذه الفضائيات ببرامجها المعلبة البعيدة عن قيمنا وعاداتنا حتى تحولت إلى كابوس يهدد باغتيال طفل المستقبل وتحويله إلى لقمة سائغة لكل وكالات الإعلان التجارية التي استغلت الفضاء المفتوح لاكتساحه، إلى جانب التأثيرات السلبية لهذه البرامج والتي تحمل الكثير من المشاهدات والمضامين التي تخدش حياء الكبير فما بال الصغير الذي يخضع لها مرغماً أمام حصار كثيف من قبل بعض الأسر التي تتركهم دون دراية بما تحمله من أفكار هدامة وغير هادفة.

وفي دراسة نفسية أعدها الدكتور فيصل الزراد وذلك لمعرفة تأثير البرامج التلفزيونية علي تنشئة الطفل العربي، انتهت هذه الدراسة إلى ترجيح التأثيرات السلبية التي تزداد اضطراراً في برامجنا التلفزيونية على التأثيرات الإيجابية التي بدأت بالاضمحلال تدريجياً داخل برامجنا بسبب ضعف الرقابة والتغريب.

حيث ان عوامل التغريب أصبحت أقوى من عوامل التعريب، وأصبح هناك تساهل أو تسامح من الأهل والأسرة والمدرسة والمجتمع في تقبل هذا الغزو الإعلامي الأجنبي الموجه والمنظم، وفي دراسة أخرى لمظفر مندوب تناول فيها آثار التلفزيون على الأطفال خلص إلى نتيجة تؤكد أن هناك نسبة عالية من الأطفال العرب يفضلون البرامج الأجنبية أكثر من البرامج العربية.

ومعظم هذه البرامج لا تلائم التقاليد العربية الإسلامية، وتبث الرعب والخوف والقلق والعنف في هؤلاء الأطفال، ومن الطبيعي أن لذلك آثاره السلبية الخطيرة على الطفل وشخصيته ونموه، كما أن ذلك يعمل على تشويه العادات والقيم الاجتماعية والدينية التي تعمل الأسرة والمدرسة والمجتمع المسلم على غرسها في الطفل العربي المسلم، وما يستمع إليه من مشاهد وعادات ولا يعرفون أين موضع الصحيح وأين موضع الخطأ.

وإذا كان المشاهد العادي يتساءل عن جدوى هذه البرامج التي تحشو رأس الطفل وتفسد ذائقته والتساؤل الأهم يدور حول عدم وجود رقابة تقوّم هذه البرامج وتمحصها قبل أن تقدم لأطفالنا على قالب من ذهب، ففي هذا الصدد ذهبت إحدى الدراسات إلى توضيح موقف الطفل من هذه البرامج، فالطفل الذي يجد نفسه مراقباً دائماً وباستمرار في المدرسة والبيت، نجده عند مشاهدته برامج التلفزيون يتجه إليه باختياره الحر ويختار البرامج بنفسه، والمشاهدة لا تخضع للمراقبة.

كما أن الطفل يجلس بالطريقة التي تعجبه فيصبح لديه وهم كبير أن لا أحد يعلَّمه أو يوجهه من خلال شاشة التلفزيون، كذلك تعمل المسلسلات على نقل الطفل من عالمه الواقعي إلى عالم خيالي، يتقمص الطفل إحدى شخصياته التي تعجبه وتستهويه، مما يعبر عن غياب سياسة إعلامية تهتم ببرامج الأطفال تنطلق من مبادئ الإسلام وأهدافه وتحكم البرامج من حيث المحتوى والشكل والعرض.

بخاصة وان بعض الأطفال يمضي وقتاً ليس بقصير أمام الشاشة وكما تعترف إحدى الأمهات بأن أطفالها يمضون أكثر من عشر ساعات متواصلة وهم يشاهدون التلفاز ورغم ما يوفر لها من جو هادئ في المنزل إلا النتائج أثرت عليهم بحيث لم يعد أي منهم يأكل بالشكل الطبيعي أو يلعب بشكل طبيعي، فكثيراً ما يتناولون الطعام وعيونهم على التلفاز خوفاً من أن تضيع لقطة، وتواصل كثير من الأمهات ولا سيما التربويات والباحثات كيل الاتهامات إلى تلك القنوات الفضائية التي فتحت فضاءها أمام الطفل دون أن تقدم له المفيد علمياً وثقافياً.

وبعيداً عن التحيز، فإن تسمية الأسماء بأسمائها ضروري بخاصة حين يتم تلمس الفرق بين الغث والسمين، وما خرجت به قناة الجزيرة للأطفال يستحق التوقف عنده وتمحيص هذه التجربة المختلفة في النوع وأيضاً في الكم، فالمتتبع لبث الجزيرة للأطفال بشكل دائم ويومي يخرج بحقيقة تبعث بعض الأمل في نفوس كثير من الآباء والأمهات الذين باتوا يمنعون أبناءهم من الاقتراب من التلفاز نتيجة الوضع السيئ للوجبة الإعلامية.

وللأسف ان كثيراً من الأسر لا تعرف هذه القناة الرائدة في مجال ثقافة الطفل والارتقاء بمستواه المعرفي والعلمي، ولعل التطوير المدروس الذي يحلم به المشاهد في مجال الإعلام المرئي قد أفرز هذه القناة، فالتواصل بين الطفل وبين الشاشة تكاد تتلمسه في كل ساعة بث وهو تواصل نوعي يركز على كون الطفل ركيزة مهمة ليس في إدارة الحوار فقط.

وإنما في كونه محور أي نشاط معرفي يقدم بعيداً عن القوالب الجاهزة، أما بالنسبة للبرامج والمسلسلات الكرتونية فالملاحظ أن القناة اتخذت منهجاً واضحاً، فجميعها منتقاة بعناية بحيث يعيش الطفل بيئات مناسبة تضعه في مواجهة مع القيم والمبادئ الإنسانية النبيلة بعيداً عن العنف والسفور إلى جانب أن المساحات التي تفرد لإدخال الطفل إلى عوالم مختلفة عبر التطرق إلى موضوعات عميقة حول العادات والشعوب وحول التواصل بين أطفال العرب في الغربة، والتوغل إلى اختلاجات هذا الطفل أو ذاك من خلال إفراد مساحة للتحدث عن نفسه وغيرها من العوالم الشيقة التي طالما بحثنا عنها ولم نجدها في ضيق أفق الفضائيات التي استغلت الأطفال وسلّعتهم.

وحتى لا نتهم بالتحيز فإن الدعوة موجهة إلى كل الأسر للتعرف إلى هذه القناة التي أرجعتنا إلى الزمن الجميل زمن البراءة وقصص الأمهات التي تتناول كل تفاصيل الحياة ووقائعها بعيداً عن ثقافة الربورتات والمكائن التي سيطرت على عقول صغارنا وسفهتها والأخطر أنها فرغتها عن كثير من المضامين .

لا يزال الحلم في قناة فضائية للأطفال تفتح مكتبات العالم ولا تغلقها أبداً، فالرحلة مع الكتاب المرئي لا تزال مشروعاً مؤجلاً، فالعالم العربي الإسلامي يزخر بقصص غاية في الأهمية يجهلها الكبار والصغار، وإذا عدنا قليلاً إلى الوراء فان القصص التي لا تزال محفورة في الذاكرة هي القصص التي رافقت طفولتنا المرئية من جحا وسندباد وغيرها، لذا تظل الأمنيات بمشروع ضخم للقراءة المرئية يطرق عوالم أمهات الكتب لتتحول إلى كتاب مفتوح لا ينتهي.

كاتبة إماراتية