على الرغم من الصفاء الذي ميز السماء السورية في دمشق يوم افتتاح القمة العربية، فلم تكن السماء العربية من حول سوريا صافية بل ملبدة بالغيوم، وعلى الرغم من الجو الربيعي الذي أحاط بالقادة العرب في قصر الأمويين، كانت الأجواء العربية من حول سوريا معبأة بالغبار وعلى الرغم من شروق الشمس العربية في الشرق، كانت الشمس تتجه إلى الغروب في الغرب. .
فعلى الحدود الجنوبية هناك الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية وشبعا اللبنانية والجولان السوري، والذي ليس من مصلحته على الإطلاق اجتماع العرب حول هدف واحد، وعلى الحدود الشرقية هناك الاحتلال الأميركي للعراق العربي الذي ليس من مصلحته وقوف العرب معا في صف واحد حتى لو تباينت المواقف وتعددت الأهداف..
وسوريا بين الشرق والجنوب لا تحيط بها قوات الاحتلال الصهيو أميركية فقط، بل أيضاً يحيط بها محاولات إخضاع أو ترويض بالترهيب تارة، وبالترغيب بما يصدر عن تل أبيب وواشنطن من تهديدات واتهامات جنائية ومزاعم سياسية بغير أدلة ثابتة حتى اليوم بل تكاد تنفيها تقارير لجنة التحقيق الدولية..
وتحيط بها حملات إعلامية ومحاولات غربية وعربية مكثفة لا تحاول عزلها فقط، بل وضعها أيضاً في مواجهة مع أشقائها في لبنان تارة وأشقائها في فلسطين وفي العراق تارة أخرى، وما ترتب على ذلك من تلبيد السماء في مثلث العمل العربي المصري السعودي السوري بالغيوم كجزء من خطة أكبر معادية لتضامن كل العرب مع قضايا كل العرب لوضع بعض العرب في مواجهة بعض العرب.
وعلى ما يبدو للعديد من المراقبين فإن سوريا العربية في الواقع تدفع ثمن مواقفها العربية الرافضة للاحتلال الصهيوني والاحتلال للأميركي للأراضي العربية المحتلة، وثمن مواقفها الممانعة للمشروع الشرق أوسطي الصهيو أميركي، وثمنا لاستضافتها لمكاتب فصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية في دمشق.
هذا الاحتلال الصهيو أميركي المشترك للأراضي العربية الذي هو قضية عربية وليست سورية فقط، وهذا المشروع الصهيو أميركي الشرق أوسطي الذي يستهدف شق الصف العربي وتقسيم المقسم من أوطان باسم الاعتدال والتطرف، وفرض العزلة على سوريا من محيطها العربي والإقليمي والدولية، ليس من أجل عيون العراق أو فلسطين أو لبنان .
ولكن من أجل عيون إسرائيل، لا يحاول ولم يحاول فقط منع اجتماع قمة العرب ولو في أي عاصمة عربية، بل كان يزعجه أيضاً ويربك خططه كثيرا مجرد اجتماع قمة العرب في دمشق. وعلى الرغم من كل ما أحاط بسوريا وبقمة دمشق العربية من أجواء غير صافية ومن مؤامرات ومناورات غير خافية على أحد يقرأ ويسمع ويرى، انعقدت القمة العربية رغم إرادة أعداء تضامن كل العرب في موعدها ومكان انعقادها حسبما قررته قمة الرياض العربية.
وبغض النظر عن غياب لبنان وملوك وبعض رؤساء دول ذات وزن رئيسي في العمل العربي المشترك خصوصا مصر العربية والعربية السعودية، إلا أن كل القضايا العربية كانت حاضرة، وكل الخلافات العربية حولها أيضاً كانت حاضرة، وكل الصراحة التي ميزت تشخيص التحديات الخارجية والداخلية والأزمات والمشكلات الوطنية كانت حاضرة، لكن الحوار حولها بأخوة وموضوعية ومسؤولية بين الأشقاء مكنت القمة من الارتفاع على معظم عقباتها والوقوف معا بالإجماع على أرضية القواسم العربية المشتركة التي تبقى في الواقع أكبر من أية خلافات فرعية أو طارئة..
لقد تميزت الجلسة الافتتاحية للقمة العربية العادية بطروحات غير عادية من الدكتور بشار الأسد رئيس القمة الذي فاجأ الكثيرين بخطابه العقلاني التضامني والمسؤول العابر للخلافات الفرعية والواصل إلى القضايا الأصلية داعيا إلى الحوار العربي للتوصل إلى تضامن عربي حقيقي، لا يعطي الفرصة للتدخلات غير العربية في الشؤون العربية ومحذرا الجميع من الفرقة في وقت أصبح العرب « في قلب الخطر».
كما تميزت بتقرير الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي شخص بدقة الطبيب، وعقلية السياسي وبنبض الشارع العربي أعراض أمراض الواقع العربي الراهن بصراحة نادرة داعيا الحكماء والعقلاء العرب إلى اتخاذ القرارات للعلاج.