رغم أن تدهور أحوال الاقتصاد الأميركي وازدياد الرفض الشعبي للاحتلال الأميركي للعراق يصبان في مصلحة الحزب الديمقراطي، إلا أن احتفاظ الجمهوريين بالبيت الأبيض ليس مستبعداً. فالحزب الديمقراطي يعاني أزمة حقيقية قد تودي بفرصه في نوفمبر بل وتؤثر على مقدراته لسنوات طويلة قادمة.
فالمعركة الشرسة المستمرة بين هيلاري كلينتون وباراك أوباما قد نتج عنها انقسام عميق داخل الحزب ينذر بتهديد فرص مرشحه في نوفمبر سواء كان ذلك الفائز هو أوباما أو كانت كلينتون. ففي آخر استطلاع للرأي قالت نسبة معتبرة من مؤيدي أوباما انهم سوف يؤيدون جون ماكين الجمهوري إذا ما فازت كلينتون بترشيح الحزب. والشيء نفسه صحيح بالنسبة لمؤيدي هيلاري الذين أعربت نسبة كبيرة منهم عن نية مماثلة في التصويت لماكين إذا ما فاز أوباما بترشيح الحزب. إلى هذا الحد وصل العداء بين المعسكرين. وهو أمر معناه في النهاية تعزيز فرص ماكين في الفوز بالبيت الأبيض.
فرغم أن قطاعاً واسعاً من اليمين الديني الأصولي لا يفضل ماكين، إلا أن هؤلاء سوف يؤيدونه في النهاية إذا ما كان البديل هو فوز الديمقراطيين. وإذا أضفنا لذلك أن ماكين قادر على المنافسة على أصوات المستقلين، فإن تمرد قطاع من الديمقراطيين على مرشح حزبهم ـ سواء بالتصويت لماكين كما يهددون، أو حتى بالإحجام نهائياً عن التصويت ـ من شأنه أن يقدم البيت الأبيض على طبق من فضة للجمهوريين، رغم أن ما تمر به الولايات المتحدة حالياً على الصعيد الداخلي والخارجي كان من شأنه ـ في ظروف عادية ـ أن يؤدي لفوز المرشح الديمقراطي بسهولة بل وربما باكتساح.
والخلاف بين أنصار هيلاري كلينتون وباراك أوباما ليس خلافاً بشأن القضايا العامة ولا بشأن السياسة التي يقترحها كل منهما بخصوص هذا الموضوع أو ذاك، وإنما هو خلاف بشأن كيفية صنع هذه السياسة أصلاً. فأنصار أوباما أقرب في الواقع إلى الحركة السياسية التي تتخطى المرشح نفسه، بل أكثر تقدمية منه شخصياَ.
وهى حركة ترفض طريقة صنع السياسة في واشنطن وتعتبر أنها المسؤولة عما آلت إليه أحوال البلاد. وقد وجد هؤلاء ضالتهم في أوباما لأنه وجه جديد خبرته محدودة بأجواء واشنطن ومناوراتها وفسادها ومعاركها الحزبية اللانهائية. أما هيلاري كلينتون فهم يعتبرونها جزءاً من المشكلة لا الحل كونها أحد أركان المؤسسة الحاكمة على مدار عقود طويلة. المفارقة هنا هي أن إصرار حملة كلينتون على اتهام أوباما بعدم الخبرة قد أفاده كثيراً. فانعدام الخبرة بواشنطن هو بالضبط ما يريده الذين التفوا حوله لأن معناه أنه ليس أسيراً للمعتاد فيها.
ولأن تلك هي طبيعة الانقسام بين مؤيدي هيلاري ومريدي أوباما فقد تجلى الصراع في صور مختلفة لعل أكثرها خطورة هو ذلك النزاع الذي انفجر بين قواعد الحزب ونخبته. فقد تعرضت رئيسة مجلس النواب (الديمقراطية) نانسي بيلوسى لهجمة شرسة من بعض كبار ممولي الحزب أخذت شكل التهديد الضمني بحرمان الحزب من التمويل ـ اللازم للاحتفاظ بالأغلبية في الكونجرس بمجلسيه ـ وذلك حين قالت انها تتمنى على «المندوبين فوق العادة» أن يختاروا المرشح الذي تعبر عنه إرادة الناخبين.
والمندوبون فوق العادة هم قادة الحزب الديمقراطي ومسؤولوه المنتخبون الذين يحق لهم التصويت في المؤتمر العام لصالح هذا المرشح أو ذاك. وقد تم إعطاء المندوبين فوق العادة هذا الحق بموجب التعديلات التي أدخلها الحزب على القواعد المعمول بها في نهاية السبعينات بعد الهزيمة الساحقة التي مني بها جورج ماكجفرن مرشح الحزب أمام نيكسون الجمهوري في انتخابات 1972. ففي ذلك العام كان ماكجفرن قد فاز بترشيح الحزب بفضل أصوات الناخبين رغم أنف قيادات الحزب التي كانت ضد حصوله على الترشيح إيماناً منها بأنه سوف يهزم أمام نيكسون.
ومن هنا تم اختراع فكرة «المندوبين فوق العادة» وهى ببساطة تهدف إلى منح قيادات الحزب الفرصة لوضع قيد على إرادة الناخبين إذا ما اختاروا عبر صناديق الاقتراع من لا يرضى عنه قادة الحزب. وهى فكرة لا ديمقراطية بالتأكيد ولكنها لا تتعارض بالمناسبة مع الدستور الأميركي الذي يقوم في جوهره على تشجيع النخبة السياسية على وضع قيود على إرادة الناخبين .
ولأن عدد المندوبين فوق العادة يصل إلى 20% من إجمالي عدد المندوبين الذين سوف يحضرون المؤتمر العام، فإن أصواتهم قد تحسم المعركة لصالح كلينتون أو أوباما إذا ما استمر الهامش بينهما ضئيلا فيما يتعلق بالمندوبين العاديين، وهم من يتم الفوز بهم بموجب الفوز بأصوات الناخبين. ولأن أوباما يتفوق حتى الآن في الأصوات الشعبية (أي أصوات الناخبين) ومن ثم يتفوق في أصوات المندوبين العاديين، فقد رأى أولئك الممولون أن «احترام إرادة الناخبين» كما طالبت بيلوسي معناه أن يصوت المندوبون فوق العادة لأوباما بينما هم يفضلون هيلاري كلينتون.
بعبارة أخرى، صار على الحزب الديمقراطي الاختيار بين ناخبيه وبين كبار مموليه. لكن الحقيقة أن مثل هذا الاختيار كان من الممكن أن يتحول في سنوات مضت إلى معضلة حقيقية. فالواقع الحالي يشير إلى أن الحزب بإمكانه أن يتمسك بإرادة ناخبيه ويتحمل عقاب بعض كبار مموليه دون تهديد حقيقي لمقدراته. فقد ثبت من خلال حملة هوارد دين في 2004 ثم حملة أوباما هذا العام أن بإمكان الحزب الديمقراطي أن ينعتق من أسر كبار الممولين وجماعات المصالح القوية عبر الاعتماد على المساهمات المالية الضئيلة من المواطنين العاديين.
كان هوارد دين هو رائد ذلك الأسلوب في 2004 حين استطاع أن يجمع كمية هائلة من الأموال لحملته عبر تبرعات لا تزيد كل منها عن سبعين دولاراً. وكانت حملة أوباما هذا العام هي الحملة التي استوعبت هذا الدرس. فعلى سبيل المثال، نجحت حملة أوباما في الشهرين الأخيرين فقط في جمع ما يقرب من 91 مليون دولار كانت كلها تبرعات من ناخبين عاديين لا تزيد قيمة كل منها عن مئة دولار.
بعبارة أخرى، بإمكان الحزب من الناحية الموضوعية الخروج من أسر كبار الممولين. لكن القضية هي ما إذا كانت قيادات الحزب على استعداد لتبني تلك الآليات الجديدة.
السؤال إذن لم يعد يتعلق بفوز كلينتون أم أوباما، إذ صار يتعلق بمستقبل الحزب الديمقراطي نفسه. فالخيارات التي سوف يتبناها قادة الحزب بل وناخبوه في المرحلة القادمة لن تحدد فقط الفائز بترشيح الحزب وإنما سوف تؤثر على مستقبل الحزب الديمقراطي نفسه لسنوات طويلة قادمة. فالمعركة الحالية هي بالدرجة الأولى معركة حول روح الحزب الديمقراطي. وأياً كانت الطريقة التي سوف تحسم بها، فإنها سوف تؤثر بعمق على جوهر العملية السياسية ذاتها في أميركا.
كاتبة مصرية