جيرت فيلدرز زعيم «حزب الحرية» الهولندي الذي أعد فيلماً وثائقياً بقصد التشهير بالإسلام أنفذ وعيده أخيراً بعرض الفيلم عبر الإنترنت متحدياً مناشدات رئيس الحكومة الهولندية وشخصيات وجماعات أخرى سياسية وفكرية ودينية داخل هولندا وخارجها.
والسؤال الذي يطرح هو: لماذا هذا الإصرار؟ هل هو نابع من تحدٍ هجومي كما يبدو ظاهرياً أم أنه يعكس شعوراً داخلياً بالارتعاب لدى صاحب الفيلم؟
الأرجح أن فيلدرز يمثل شريحة أوروبية استبدت بها مشاعر الخوف من ظاهرة انتشار الإسلام في مجتمعات أوروبية بصورة متنامية ليس فقط بسبب التزايد السكاني للمسلمين في تلك المجتمعات في أوساط الأجيال الجديدة لأبناء المهاجرين المسلمين، وإنما أيضاً ـ وهذا هو الأهم ـ لأن اعتناق الإسلام يتزايد في صفوف الأجيال الجديدة من شباب الأوروبيين البيض الأصليين، لهذا فإن فيلم «فتنة» يبدو موجهاً تجاه هذه الشرائح من الشباب الأوروبي الصاعد من غير المسلمين، هكذا يوحي سيناريو الفيلم وفقاً لما ورد عنه من تعليقات وشروحات في وسائل الإعلام الغربية.
إذا أخذنا هذه الملاحظة الأساسية في الاعتبار فإننا سنفهم لماذا اختار صاحب الفيلم تشبيه القرآن الكريم بكتاب الزعيم النازي الألماني أدولف هتلر «كفاحي». فقد أراد أن يمس أشد الأوتار حساسية لدى المجتمعات الأوروبية عامة، فالنازية لدى الأوروبيين هي الشر الأعظم، وهتلر هو الرمز الأكبر لهذا الشر، ولعل فيلدرز عمد إلى استثارة «عقدة الذنب» الأوروبية تجاه اليهود التي تتحكم ابتزازياً حتى الآن على عقول الأجيال المتعاقبة في أوروبا.
صاحب الفيلم يدرك دون شك أن هجمات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، بقدر ما استثارت من مشاعر صدمة وخوف من الغرب عامة فإنها استثارت أيضاً مشاعر استفهام فضولي محوره: ما هو الإسلام؟
ومن هم المسلمون.. مما أفضى بالتالي إلى ظاهرة الإقبال الجماهيري على أسواق الكتب بدوافع المعرفة الصرف للاطلاع على ما يكتب عن الإسلام، ولذا فإن فيلم فيلدرز ربما يعكس تخوفاً عاماً من هذه الظاهرة مما يتطلب بالتالي رداً غير مباشر عليها، وهذا ما جعل الفيلم منتجاً إعلامياً ذا طبيعة دعائية غوغائية أكثر منه استقصاء إعلامياً محترماً حتى وإن كان محوره هجوماً على عقيدة دينية، وهنا تطرأ ملاحظة ذات علاقة.
فبالرغم من أن فيلدرز كان يروج لفيلمه كعمل وثائقي للحط من قدر الإسلام فإن معظم المشاهد الغالبة تنطوي على هجوم على المسلمين كأمة وشعوب، ضمن هذا الإطار يتعرض الفيلم لأحداث سبتمبر، وعمليات إعدام في دول إسلامية، ومن المثير في هذا الصدد أن الفيلم ينتقد من خلال بعض مشاهده تعامل المجتمعات الإسلامية مع الشواذ جنسياً، مع مشاهد أخرى تعكس خطابات معادية لليهود مصحوبة بتعليق «هل هذه هولندا المستقبل» مما يؤكد فعلاً أن الفيلم يخاطب مشاعر الأوروبيين البيض غير المسلمين انطلاقاً من حالة ارتعاب ذاتي.
باسم «حرية التعبير» أصر فيلدرز على عرض فيلمه وهو في الوقت نفسه يطالب بحظر قانوني على المصحف في هولندا.. وهي مطالبة تناقض مبدأ «حرية التعبير».