الجولات المكوكية التي قامت بها الوزيرة رايس، منذ أمس الأول، بين القدس وعمان ورام الله؛ بقيت تحوم حول هوامش المشكلة، بعيداً عن لبّها. هوامش كان من المفترض تجاوزها منذ سنوات. على الأقل منذ ما بعد أنابوليس مباشرة.

على رأسها الحواجز الإسرائيلية في مناطق الضفة الغربية، التي من أهم وظائفها، تنغيص حياة الفلسطينيين وتحويلها إلى جحيم لا يطاق. طبعاً معالجة وإزالة هذا المنغّص، أمر ضروري وعاجل. لكن أن يجري تقديم إزالة خمسين من هذه الحواجز، بما يحمل على الاعتقاد بأنه أمر يرقى إلى مصاف الإنجاز على طريق السلام؛ ففي ذلك ذرّ للرماد في العيون.

في حقيقته، هو، بتوقيته وحجمه، أشبه بالترضية القريبة من الرشوة الرخيصة؛ التي تضمر شيئاً من الاستخفاف المهين. في أحسن أحواله هو لا يتعدّى كونه دفعة هزيلة ومتأخرة.

موافقة إسرائيل على رفع هذه الحواجز، تمّ تصويرها على أنها خطوة انتزعتها الوزيرة من حكومة أولمرت. واكبها «انتزاع» آخر، حسب مصادر رايس؛ تمثل في «وعد» إسرائيلي «بتخفيف الإجراءات» عند الحواجز الباقية، بحيث تتقلص مدة الانتظار وتخف بالتالي معاناة تنقل الفلسطينيين. على تواضعه أخذ هذا التزحزح يوما كاملا من اللقاءات. ثم إذا كانت قضية الحواجز بهذه الأهمية والحساسية ـ وهي كذلك وأكثر ـ فلماذا لم يُصر إلى حمل إسرائيل على إزالة كافة الحواجز التي يربو عددها على 580 حاجزاً تمعن في تقطيع أوصال الضفة الغربية؟

لاسيما وأن هذه القضية من المتأخرات. لقد سبق وحصلت الوزيرة، في نوفمبر 2005، على وعد إسرائيلي بإعداد قائمة بالحواجز التي ينبغي الخلاص منها. ويوم ذاك كانت قليلة، لا يتجاوز عددها العشرات.

ورايس اعترفت، أمس، بأن واشنطن «غفلت» عن متابعة ومراقبة تنفيذ ذلك الوعد. اليوم، بعد سنتين ونيّف، تعود قضية الحواجز إلى المربع الأول؛ وإلى المعالجة الجزئية. ثم أيضاً، إذا كانت واشنطن، بشخص الوزيرة، قادرة على انتزاع موافقة إسرائيل على ما لم تكن تريده ـ وهي قدرة متوفرة من زمان ـ فلماذا تأخرت في ممارسة هذه القدرة؟ بل لماذا ممارستها بالتقسيط؟

الولايات المتحدة هي الطرف القادر وبامتياز، على لجم إسرائيل. المشكلة كانت ولا تزال، أنها لا ترغب. هنا مكمن العلّة في الموقف الأميركي. عندما أرادت، في أكثر من مرة، سابقاً، لم تجرؤ إسرائيل على الرفض. موقف ايزنهاور سنة 1956، في حرب السويس، يؤكد ذلك. أيضاً موقف الرئيس بوش الأب، أثناء حرب تحرير الكويت. كذلك موقف هذه الإدارة، في بداية ولايتها الأولى، مارست شيئا من ذلك؛ عندما طلب وزير الخارجية آنذاك، كولن باول، من إسرائيل؛ وقف توغلها في شمال قطاع غزة والانسحاب منه. واشنطن كانت ولا تزال وليّ نعمة إسرائيل. هي مصدر أوكسجينها العسكري والمالي والدبلوماسي.

إدارة الرئيس بوش تردد وتؤكد بأنها عازمة على إنجاز حلّ الدولتين قبل نهاية عهدها. لم يبق أمامها سوى أشهر قليلة. إذا كانت فعلاً جادة (؟) فعليها أن توجّه انتزاعاتها من إسرائيل نحو الجوهر: القدس، الحدود، اللاجئين، وبداية المستوطنات. خارج ذلك وما عداه، لن يكون سوى مادة تساعد إسرائيل على مواصلة اللعبة التي تتقنها: التدويخ والمراوغة.