أخيراً، جاء التقرير الاستخباري الإسرائيلي السنوي الجديد، الذي قدمته إلى الحكومة الإسرائيلية، وبشكل موحد الأذرع الأمنية الثلاث المعروفة في إسرائيل: جهاز الأمن العام «الشاباك أو الشين بيت»، وجهاز المخابرات الخارجية «الموساد»، وشعبة الاستخبارات العسكرية «أمان»، ليقدم رؤية ملفتة للانتباه لخارطة الأوضاع الإقليمية المحيطة.

وما أسماه التقرير بـ «التحديات والأزمات» التي تشكل خطراً استراتيجياً على الأمن القومي للدولة العبرية، مؤكداً على استنتاج عام يقرر بأن الاشتعال القادم في المنطقة حال اندلاعه سيطوق إسرائيل، ليس على جبهة واحدة فقط بل على جبهات خمس متماسكة، تحيط بإسرائيل عبر حزام «إرهابي» مسلح، مدرب ومزود بالصواريخ، مع إسناد لدولتين حدوديتين، سوريا ولبنان، ومظلة نووية إيرانية.

ففي سابقة جديدة في تاريخ الدولة العبرية الصهيونية، أطل التقرير السنوي الاستخباري الإسرائيلي قاتماً وبعيداً عن التفاؤل المعتاد كما كان الحال في التقارير السنوية التي سبقت وأن قدمتها الأذرع الأمنية الإسرائيلية للحكومات السابقة، فقد كانت لغة التقرير مرتبكة، خائفة، عالية الحساسية، تعدد عشرات الحسابات في الإشارة إلى ما أسمته بالمخاطر التي تتوعد مستقبل إسرائيل في المنطقة في ظل تواصل الصراع مع جميع الأطراف العربية والإقليمية بالرغم من مرور أكثر من سبعة عشر عاماً من انطلاق مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط.

فالتقرير بمعطياته ومعلوماته وتحليلاته، يكشف أموراً جديدة حول الرؤية الإسرائيلية للواقع المتفجر في المنطقة بشكل عام، متوقعاً انزلاق المنطقة إلى مجابهات عسكرية وغير عسكرية، ساخنة على أكثر من صعيد.

فالتقرير بخطوطه العريضة حيث سربت منه أجزاء كبيرة، وبعض من محتوياته، اتسم بالنظرة السوداوية بالنسبة لما أسماه «المخاطر المحدقة بإسرائيل»، وبحسب تقديرات كل من «الشاباك» و«الموساد» وجهاز «أمان» فإنه «توجد خمس جبهات عسكرية تنتظر إسرائيل ومعادية لها، والجبهات تمتد من فلسطينيي 1948، إلى سوريا، ولبنان والمقاومة فيه الممثلة بحزب الله، وجبهة الداخل الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى إيران».

فالتقرير يتعرض أولاً إلى حال الفلسطينيين داخل الدولة العبرية، معتبراً إياهم جبهة متأهبة يمكنها أن تشتعل في كل لحظة وان تنضم إلى الجبهات الخارجية المناوئة لإسرائيل، فهم بشكل أو بآخر من وجهة نظر التقرير «قنبلة موقوتة متغلغلة في معدة إسرائيل» ومحذراً من إمكانية انتقال فعلهم وتأثيرهم نحو درجات متقدمة في مناهضة الدولة العبرية، مشيراً إلى ما أسماه «تواصل نمو التطرف السريع في صفوفهم، وبإلهام من النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي»، حيث أورد التقرير كأمثلة مباشرة، ظاهرة قيام المواطنين العرب داخل حدود 1948 برشق الحجارة على الطرق في مناطق الجليل.

وزيادة أعمال الاحتجاج التي يقومون بها ضد السلطات الإسرائيلية في العام 2007، وثبوت ما أسماه التقرير «تورط» 25 مواطناً من أبناء فلسطين 1948 في نشاطات مسلحة وتفعيلهم من قبل منظمات فلسطينية، فضلاً عن إعلان قيام منظمة كتائب أحرار الجليل التي نفذت وتبنت سلسلة من عمليات المقاومة، آخرها عملية القدس الغربية الأخيرة التي نفذها علاء هشام أبو دهيم من سكان جبل المكبر في القدس الغربية ومن أبناء مناطق فلسطين 1948. ومن هنا فإن التقرير يقترح على الحكومة الإسرائيلية أن تبدي اهتماماً خاصاً للتعامل مع العرب الفلسطينيين داخل حدود 1948.

كما يتعرض التقرير ثانياً إلى تعاظم قوة الحضور والفعل الفلسطيني في قطاع غزة مع تعاظم قوة وتماسك حركة حماس ومعها حركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعموم الأجنحة الفدائية لفصائل المقاومة الفلسطينية التي أصبحت قادرة على إطلاق صواريخ ذات مواصفات عالية لمدى يصل إلى أكثر من 17 كيلومتراً.

حيث يضيف التقرير الاستخباري الإسرائيلي في تقديراته أن حركة حماس أيضاً تعتزم بدورها استئناف القتال ولديها إمكانية في مشاغلة إسرائيل على هذا النحو، معتبراً أن الهدوء الحالي بعد انتهاء المرحلة الأولى من العمليات العسكرية ضد قطاع غزة، شكلي ولا يعكس النوايا الحقيقية، ويشدد التقدير على أن حركة حماس وعموم قوى المقاومة الفلسطينية المسلحة باتت تشكل الذراع الجنوبية لذاك «الأخطبوط» الذي يحيط بالدولة العبرية.

ويتوقع التقرير حدوث ردات اهتزازية قد تصيب العمق الإسرائيلي عبر عمليات عسكرية فلسطينية، كما حدث في القدس الغربية مؤخراً، لكنه بالمقابل قلل من احتمال اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة بالرغم من تواصل القمع والحصار الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة واستمرار عمليات الاغتيال الإسرائيلية، إلا إذا أقدمت قوات الاحتلال على قتل عدد كبير من الفلسطينيين أو جرى التعرض للمقدسات كالحرم المقدسي، أو في حال سقوط عدد كبير من الشهداء الفلسطينيين، مستنداً إلى أن الفلسطينيين قلقون من المشاكل الاقتصادية التي يواجهونها بالدرجة الأولى، وبالتالي فإنهم مازالوا يولون ثقة كبيرة للرئيس الفلسطيني محمود عباس.

وفي إشارته «للخطر الثالث» الذي يقف في وجه الدولة العبرية، فإن التقرير يشير إلى نمو ترسانة ضخمة من الصواريخ من نوع أرض أرض بيد حزب الله والمقاومة اللبنانية، وهي الترسانة التي يمكن لها بالتوصيف الإسرائيلي أن تغطي كامل مساحة إسرائيل ومناطقها الحيوية، وأن تغرقها بالصواريخ والقذائف في أي نقطة، خصوصاً منها ميناء حيفا ومصفاة النفط فيها، فضلاً عن تنامي قدرات حزب الله الاستخباراتية واللوجستية، وكذا دوره في تقرير المسار والخط السياسي في الساحة اللبنانية.

أما في إشاراته «للخطر الرابع» فإن التقرير يثير مجدداً وبشكل قد يكون مبالغاً به، الحديث عن ما أسماه «ترسانة الرعب الصاروخي السورية ذات القدرات الكيماوية وربما البيولوجية» التي أمست تغطي بسهولة كل مساحات أرض فلسطين التاريخية.

حيث انتهى وفق لغة التقرير» عصر المعارك الثقيلة والحروب الكبرى بالدبابات والمدفعية الثقيلة إلى غير رجعة» وأن «أي حرب مقبلة بين إسرائيل وسوريا، لن تحسم في حروب كتلك التي عهدناها، في الجو والبر، وإنما عن طريق منظومة صواريخ أرض أرض التي تمتلكها وتطورها سوريا»، ففي حال اندلاع الحرب فإن واضعي التقرير من دهاقنة الأمن الإسرائيلي يعتقدون بأن المعركة لن تحسم بسبب التفوق الجوي والبري الإسرائيلي، وإنما بواسطة صواريخ أرض أرض، التي ستصيب بشدة «البطن الرخوة لإسرائيل».

ومن جانب آخر، يؤكد التقرير الاستخباري السنوي الإسرائيلي في إشاراته «للخطر الرابع» أن سوريا «تعيش حالة مكثفة من التسلح بصواريخ بعيدة المدى، فهي تسرع لامتلاك صواريخ أكثر ودبابات أقل»، في سياق سعيها لامتلاك قوة ردع من صواريخ أرض أرض تمكنها من حسم مصير كل حرب مستقبلية. ولكن التقرير شدد من جانب آخر على أن سوريا «معنية على المستوى الاستراتيجي بالتفاوض مع إسرائيل، برغم أن هذه المفاوضات ليست اليوم على رأس سلم أولوياتها»، ومع ذلك فإن التقديرات الإسرائيلية ترى أن احتمال حدوث هجوم سوري على إسرائيل، لا يزال ضعيفا.

ويوصي التقرير الجهات السياسية العليا في إسرائيل ضرورة إعادة إحياء المسار التفاوضي المتوقف مع سوريا، والتقدم ببوادر ايجابية على أمل توليد فرصة مناسبة لإبعاد سوريا عن ما أسماه التقرير «المحور الراديكالي». فالتقرير يلقي المسؤولية على القيادة السياسية الإسرائيلية بما في ذلك ايهود أولمرت من أجل «إقناع شعب إسرائيل بالتخلي عن هضبة الجولان مقابل إخراج سوريا من المحور الراديكالي».

ويؤيد الاتجاه المشار إليه مجموعة من جنرالات جيش الاحتلال، وعلى رأسهم الجنرال غابي أشكنازي، والجنرال عاموس يدلين، والجنرال احتياط عاموس جلعاد، والجنرال احتياط أهارون زئيفي فركش، وجنرال الأمن والمخابرات موشيه يعلون، والجنرال أوري ساغي، والجنرال أمنون شاحاك، وقائد منطقة الشمال غادي أيزنكوت، والجنرال احتياط موشيه كابلنسكي، والجنرال تال روسو، ومعهم زعيم حزب العمل وشريك أولمرت الائتلافي الجنرال ايهود باراك.

وفي إشارته للخطر الخامس والأخير، فإن التقرير الاستخباري الإسرائيلي. يتطرق للسعي الإيراني للوصول إلى امتلاك تكنولوجيا الطاقة النووية، وتصنيع القنابل النووية، بما فيها الحشوات النووية المحمولة على صواريخ أرض أرض، ومواصلة طهران عملية تطوير قدراتها في مجال تخصيب اليورانيوم، كما في تطوير الصواريخ البعيدة المدى، علاوة على تعزيز التنسيق والتعاون العسكري بين إيران وسوريا وحزب الله والمنظمات الفلسطينية، مشدداً على أن إيران باتت تشكل مركز الثقل في الخطر الذي تتعرض له إسرائيل.

ويقرر التقرير الاستخباري بأن الإدارة الأميركية الحالية ليست بوارد القيام بعمل عسكري ضد طهران، وليست بوارد افتتاح حروب جديدة في ظل الوضع المعروف في العراق وأفغانستان، كما أن نجاعة العمل العالمي محدودة ولا تؤثر على وتيرة التقدم الإيراني في هذا المضمار. وبتعبير آخر يقول التقرير الذي وضع على طاولة اولمرت، ان إسرائيل وحيدة في مواجهة التهديد الإيراني.

كاتب فلسطيني ـ دمشق