جميعنا نعرف أن القمم العربية مشهورة بامتلاء القاعات التي تجرى فيها وهو امتلاء قد لا يتجانس مع فراغ التأثير والنتائج. ونحن العرب وعبر العصور نحب أدوار التربع في المجالس والتباهي بالكلام الفصيح وتقديم الطعام ثم بعد ذلك ينفض المجلس ولا كنتم ولا كنا ولا صرتم ولا صرنا. ونحن على هذا الحال مهما بلغت الخطوب بأرضنا وأوطاننا فالقمم العربية التي تجرى تحت خيمة الجامعة العربية هي منذ نشأتها مجالس تمتلئ بالجالسين والحاضرين وحتى المهتمين من مجاورين إقليميين أو أصدقاء غربيين.

ولكن مع الأسف لا تمتلئ النتائج ولا البيانات الختامية ولا القرارات بأفعال تغير من أرض الواقع شيء، وهذا الكلام قد يكون مدخلنا للكلام عن القمة العربية المزمع عقدها في العاصمة السورية، خاصة وان هذه القمة هي في الواقع كان من المفترض أن تكون خطوة مهمة يجب أن تجمع الحكام والرؤساء العرب للتباحث في واحدة من أخطر المراحل التي تمر بها أمتنا العربية بل ومنطقة الشرق الأوسط عموما. ولكن يبدو أن الرياح سارت بغير ما تشتهي السفن السورية وسفن الجامعة العربية التي غالبا ما تغرق في تصادمات العرب وسجالاتهم.

قمة دمشق لم تكن القمة العربية الأولى التي تمنى بالفشل قبل أن تنعقد فلن نتجنى بالقول إن معظم قممنا العربية تمنى بالفشل قبل أن تنعقد وبعد أن تنعقد، ولكن قمة دمشق تميزت بأنها فشلت حتى في ملء الكراسي بالصورة التي تفضي إلى أن العرب على الأقل اتفقوا على أن تكون القمم الدورية مكانا يلتقون فيه راغبين أم مجبرين لمناقشة تلك القضايا الضرورية والملحة التي تحتاج فعلا لإجماع العرب واجتماعهم.

وبالتالي انتهت القمة قبل حتى ان تبدأ فأصحاب القضايا الرئيسية لن يحضروا والأطراف العربية الفاعلة وصاحبة القول الفصل والمؤثر أعلنت مقاطعة القمة وربما حتى صفعتها بتمثيل ضعيف وصل حتى الى مستوى مندوب في الجامعة العربية او سفير أو نائب وزير. .الخ.

ذلك الفشل المبكر والمحرج تتحمل وزره جميع الأطراف فالخارجية السورية لم تكن فاعلة ونشطة ولبقة لكي تتفادى تلك المواقف القوية ضد القمة بل أن الجميع كان ينتظر من سوريا أسلوبا أكثر دبلوماسية وأكثر حكمة في التسويق للقمة سواء من حيث تقديم التنازلات والمعالجات للقضية اللبنانية أو من حيث التفاوض مع الأطراف العربية الفاعلة لتقديم حلول وسط كان من الممكن أن تخفف من شدة المواقف العربية ضد القمة.

ولكن دمشق في الواقع استنفدت الوقت دون أن تقدم مواقف ايجابية وخاصة في ما يتعلق بلبنان. بل انها تعمدت اغاضة الأطراف اللبنانية بأن اختارت توقيتا غريبا لكي تسلم دعوة حضور القمة واختارت شخصية وزير الخارجية اللبناني المستقيل لكي تسلمه دعوة حضور القمة. إذن سوريا كانت تريد مقعد لبنان فارغا في القمة ولكنها لم تتوقع أن تكون مواقف السعودية ومصر والأردن بهذه الشدة.

الجامعة العربية أيضا تتحمل المسؤولية لأنها أصرت على أن تعقد القمة في سوريا مع أن العديد من الدول العربية اقترحت ان يتم تغيير موقع القمة إلا أن الجامعة العربية أصرت على أن تعقد القمة في دمشق وهو موقف لم يكن في توقيته السليم لأن القضايا العربية كانت بحاجة لقمة قوية ليس فقط للأزمة اللبنانية وكذلك كل أزمات العرب وقضاياهم.

الدول العربية الفاعلة أيضا تتحمل المسؤولية لأنها اختارت وسيلة غير مناسبة للضغط على سوريا وهذه الوسيلة المتمثلة بوضع دمشق أمام خيارين أحلاهما مر، إما مخرج للازمة اللبنانية أو إفشال القمة العربية.

ولم يكن هنالك تواصل عربي حقيقي يجمع دمشق مع الأطراف العربية وليس يعزلها كما أن الضغط الذي مارسته الدول العربية لم يكن متوازنا بمعنى أن الأجدى أن يكون هنالك ضغط مواز على الأطراف اللبنانية لكي تقترب هي الأخرى من حل مجد. وبالتالي كل الفترة التي سبقت قمة دمشق كانت عبارة عن تحركات دبلوماسية عشوائية، ومواقف تفضي الى رسائل متوترة تبادلتها الأطراف العربية ثم أن هذه الأطراف أصرت على جعل لبنان محور القمة في حين أن الأمة تنأى تحت ضغط قضايا حاسمة لا تقل عن خطورة الوضع في لبنان، بل أن الإجماع والتضامن العربي بحد ذاته قضية حاسمة تستحق تقديم التنازلات والتصرف بمسؤولية.

إذن قمة دمشق صارت أزمة بحد ذاتها بدل أن تكون حلا لقضايا ملتهبة وكارثية في حين أنها كان من المفروض أن تكون لقاء عربيا مؤثرا يبدأ بنوايا حسنة ويقدم مشهدا عربيا يعبر عن مدى الالتزام العربي بالقضايا الحاسمة التي تعصف بأمتنا.

كاتبة عراقية