هل يعيد إلينا الخور الروح التي افتقدناها ونشتاق إليها، أم نعيد إليه نحن الروح التي افتقدها وتشتاق هي إليه؟
هذا هو السؤال الذي تبادر إلى الذهن لحظة إطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي مشروع (خور دبي الثقافي) الوجهة الأشمل في العالم، الذي يمتد على مسافة عشرين كيلومترا، بدءا من منطقة «الشندغة» وحتى الخليج التجاري، حيث من المنتظر أن يحول هذا المشروع دبي إلى مركز ثقافي عالمي، ويجعل من دولة الإمارات مركزا لحوار الحضارات.
هذا المشروع العملاق سيضم من المعالم التراثية اثنين وسبعين معلما، ومن المتاحف ما يزيد على عشرة، ومن المكتبات العامة والمتخصصة تسعا، ومن المسارح ثلاثة عشر مسرحا، بالإضافة إلى دار الأوبرا، وورش العمل والمعاهد الثقافية والفنية ومحترفات الفنانين المواطنين والقاطنين والزائرين، وفق ما جاء في كلمة سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس هيئة الثقافة والفنون بدبي في حفل إطلاق المشروع، وهو عدد يشكل دون شك إضافة إلى البنية الثقافية في دولة الإمارات ويعطيها زخما، هذه البنية التي تشهد نهضة غير مسبوقة، وتعيش حركة نمو أحدثت فيها نقلة نوعية من حيث الكيف والكم معا.
ولكن لماذا الربط بين الثقافة وخور دبي؟
لقد ارتبط الماء دائما بنشوء الحضارات وتجمعات السكان حوله، فما من حضارة في التاريخ إلا ونشأت حول مجرى مائي أو ارتبطت به ارتباطا وثيقا. حدث هذا مع الحضارة المصرية القديمة التي نشأت حول نهر النيل وارتبطت به وامتدت بطول النهر. ولا يخفى على أحد ما انفردت به الحضارة المصرية القديمة من سمات، وما حققته من انجازات، وما تمتعت به من أصالة حتى استحقت أن يُطلَق عليها اسم (أم الحضارات) دون منازع.
وحدث هذا مع الحضارة العراقية التي نشأت حول نهري دجلة والفرات اللذين شكلا مركزا استقطب كل الحضارات التي ازدهرت في أرض ما بين النهرين، كالحضارة السومرية والأكدية والبابلية والأشورية، هذه الحضارات التي حجزت لها في التاريخ مكانا مرموقا، وأثرت الإنسانية بالقوانين والتشريعات الأولى في حياة البشرية.
وحدث هذا أيضاً في بلاد الشام حيث نشأت مواقع الاستيطان في أحواض الأنهار مثل نهر الكبير الشمالي ونهر العاصي ونهر الفرات وروافده، وفي مناطق داخلية توفرت فيها المياه، لتزدهر حضارات ساهم في تكوينها الأكاديون والأشوريون والعموريون والآراميون والفينيقيون والعرب.
رُبَّ قائل يقول إن هذه الحضارات قامت وازدهرت حول الأنهار والمياه العذبة، وان خور دبي لم يأخذ من الأنهار سوى شكلها فقط، حيث يمتد على شكل لسان بحري ليقسم مدينة دبي إلى قسميها الأساسيين؛ ديرة وبر دبي. في هذا القول شيء من الصحة.
ولكن فيه أيضاً سر معجزة هذا المجرى المائي الذي أصبح معلما من معالم هذه المدينة الآسرة، لأن خور دبي بصورته هذه شكّل ميناء طبيعيا استطاع أن يحتل مكان ميناء «لنجة» الواقع على الساحل الإيراني من الخليج الذي انهار وتزعزعت مكانته عام 1902م بعد أن أسندت الإدارة الإيرانية إلى موظفين بلجيكيين مهمة إدارته، فقاموا بفرض لوائح ونظم تراخيص جديدة وضرائب باهظة أدت إلى نقل الكثير من التجار أعمالهم إلى الضفة المقابلة من الخليج، حيث استقبلتهم دبي بمينائها الطبيعي وحكامها الأذكياء لتتحول إلى المركز التجاري الرئيس للساحل المتصالح.
وبالإضافة إلى هذه المكانة الاقتصادية التي احتلها الخور فإن مكانته في نفوس الذين نشئوا على ضفافه وارتبطوا به وجدانيا لا تقل عن الأهمية التجارية لهذا اللسان المائي الذي أكسب مدينة دبي ألقا قلّ أن تجده في مدن كثيرة ربما تفوقها مساحة وغنى، لكنها لا تمتلك هذه الجاذبية التي تمتلكها هذه المدينة الجميلة المتسقة مع طبيعة المقيمين على أرضها، رغم تعدد أعراقهم وثقافاتهم ودياناتهم.
لقد أضفى البعد التجاري على المدينة بعدا ثقافيا متعدد الوجوه، نتيجةً لاختلاف البلدان التي وفد منها المقيمون على أرضها، إذ كانت دبي حتى قبل ظهور النفط مقصدا لقوافل القادمين إليها من الصحراء ببضائعهم الصحراوية البسيطة، ومرفأ للسفن المحملة بمختلف البضائع التي تتوزع على سوقها وأسواق الإمارات الأخرى، ويعاد تصدير بعضها إلى موانئ الخليج الأخرى التي لم تستطع منافسة دبي كمركز تجاري مرموق في الماضي، وتتطلع إلى مجاراتها في الحاضر.
ولإضفاء مزيد من البعد الثقافي على هذا اللسان المائي احتضنت خاصرة الخور من جهة «ديرة» أول مكتبة عامة في إمارة دبي أمر بتأسيسها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم سنة 1963م.
وقد لعبت مكتبة دبي العامة دورا كبيرا ومؤثرا، وأثرت الحركة الثقافية في الإمارة من خلال توفير الكتب والصحف والمجلات والدوريات التي كان من الصعب الحصول عليها في تلك المرحلة، إما لندرتها، أو لارتفاع ثمنها، أو لقلة عدد المكتبات التجارية في الإمارة وقتها. كما أسهمت المكتبة العامة في هذه الحركة بإقامة العديد من الأنشطة الثقافية التي تمثلت في المحاضرات والأمسيات وتنظيم اللقاءات مع أعلام الأدب والثقافة التي كانت تزور دبي في تلك الفترة.
وظلت «مكتبة دبي العامة» تقوم بدور كبير منذ إنشائها، حتى توسعت شبكة المكتبات العامة وانتشرت مكتبات الأحياء التي اقتضى إنشاءَها امتدادُ المدينة وتوسع الحركة العمرانية، ليبقى رغم هذا كله للمكتبة العامة التي ما زالت تحتل مكانَها في خاصرة الخور ألقها الذي لا ينطفئ، خاصة لدى أولئك الذين تفتح وعيهم عليها وتكونت ثقافتهم في ظلها، وتوسعت مداركهم بفضل الخدمات التي كانت تقدمها لهم، في زمن لم تكن مصادر المعلومات فيه متاحة، ولا وسائل التقنية فيه معروفة، ولا أجهزة الحاسب الآلي فيه منتشرة كما هي الآن في أيدي الكبار والصغار على حد سواء.
لهذا كله يأتي مشروع «خور دبي الثقافي» في وقته المناسب، ليسجل لمسة وفاء لهذا الشريان المائي النابض بالحياة، وليؤكد دور الخور، ليس في إنماء الحركة الاقتصادية فقط، وإنما في إثراء الحركة الثقافية في الدولة، كي (يسير فيها شريان الأعمال جنبا إلى جنب مع شريان الثقافة بمفهومها الشامل) كما جاء في كلمة الافتتاح.
إن أكبر اتهام يمكن أن يوجَّه لأي حركة تغيير هو زحف التطوير على التراث، وطغيان التحديث على الأصالة، لهذا جاءت كلمة سمو رئيس هيئة الثقافة والفنون خلال الإعلان عن المشروع لتبدد هذه المخاوف، وتؤكد أن الحفاظ على التراث وإحياءه وتنميته ستكون في قلب المشروع، ولذلك نحن متفائلون بأن مشروع «خور دبي الثقافي» سيعيد إلينا الروح التي افتقدناها واشتقنا إليها، وسيعيد إلى الخور الروح التي افتقدها واشتاقت إليه.
كاتب إماراتي