حدثان بارزان ميّزا الساحة السياسية التشيكية مؤخراً. كلاهما مرتبط بالآخر، لكن وبرغم حساسيتهما القصوى أعتُبرا من قبل صنّاع القرار بعيدين كل البعد عن الهموم العادية التي تثقل كاهل السياسيين في هذا البلد الفتي. ما هو مثير في الحدثين هو أنهما قرّبا تشيكيا من الهموم التي يعاني منها العالم الإسلامي بشكل خاص، وقد يضعاها في دائرة اهتمام لا تحسد عليها أبدا.
الحدثان مرتبطان بما يمكن وضعه في خانة الإسلاموفوبيا أو ربما العداء المطلق للإسلام، حيث أقدم مجهولون ومعروفون أيضا بإقحام تشيكيا في الحملة الشعواء التي نشهدها حاليا ضمن سياق صراع الحضارات، في حين أعتقد شخصيا أنه جزء من الغباء المهيمن على الفئات المتطرفة التي هي جزء من مجتمع ديمقراطي يتيح لها حرية نشر السموم (لا حرية التعبير).
فقبل أيام قليلة قام مجهولون بنشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لنبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلم) في شوارع مدينة برنو التشيكية، متذرّعين برغبتهم في الدفاع عمّا وصفوه «حرية الكلمة».
وقد يبدو الخبر عاديا للأسف في ظل التفاعل اليومي للحملة الشرسة المرتبطة بتلك الرسوم في أماكن مختلفة من العالم، لكن ما ميّزه عن غيره من الأخبار المشابهة هو ظاهرة الجُبن التي رافقته، بحيث إن «المدافعين عن حرية الكلمة» لم يتحلوا بالشجاعة الكافية للإعلان عن أنفسهم، فاكتفوا بنشر غبائهم في شوارع هذه المدينة الحالمة البعيدة كل البعد عن مظاهر الجهل والكراهية، دون أن يتمكنوا من التأثير على الرأي العام المحلي.
الحدث الثاني الذي استحق اهتمامي هو إعلان الحزب القومي الوطني التشيكي، وهو حزب يميني متطرف صغير جدا، بأنه سيطلب من النائب الهولندي المتطرف «غيرت ويلدرس» السماح له بعرض فيلمه المسيء للإسلام على صفحته الخاصة على شبكة الانترنت، وذلك بعدما رفضت مواقع أخرى عرضه. ومجددا برر الحزب موقفه ذلك بما وصفه الدفاع عن حرية التعبير، لكنه أضاف هذه المرة رغبته بإظهار «حقيقة الدين الإسلامي» أمام الشعب الأوروبي..
ما يهمّنا في هذين الحدثين ليس موضوع النشر حصريا وإن كان ذلك مثيرا لشعوري الأسى والإحباط لدى كثير من المسلمين الذين شاء قدرهم أن يعيشوا في هذه المنطقة من العالم.
المهم حسب اعتقادي هو جملة من الأمور التي أظهرها الحدثين كردة فعل طبيعية، والتي قد تكون مفيدة كمنطلق لمواجهة الحملة الشرسة، لكن أيضا لفهم طبيعة الرأي العام الأوروبي الذي يحتضن ملايين المسلمين منذ أعوام طويلة. وبالاعتماد على ما سبق، التفاهم تاليا مع ذلك الرأي العام على سلسلة من الأمور التي قد تشكّل ما قد أصطلح على تسميتها بقواعد لعبة التعايش، التي لا بد منها لتحقيق الحد الأدنى من الاحترام المشترك بين الأديان المختلفة.
وأعتقد بأن ذلك ضروري جدا في هذه المرحلة بالتحديد، لأن المجتمعات التي تمكنت في السابق ودون تحفظ كبير من استيعاب هذا الكم الهائل من العرب والمسلمين، لا بد أن تكون قادرة ومستعدة ـ وهذا ما تبيّنه أصلا حلقات النقاش والحوارات الفكرية المختلفة ـ لفهم وجهات النظر المعتدلة البعيدة كل البعد عن التطرف والتشدد، في حال تمكنت الجاليات والمراكز الإسلامية المنتشرة في المهجر من استيعاب الدروس واستثمارها لمصلحة الدين الحنيف الذي تؤمن به، وتاليا لتعزيز كيانها ووجودها ضمن تلك المجتمعات التي ستجد نفسها عندئذ مجبرة على احترامها.
التجربة التشيكية تحديدا بيّنت سلسلة من الأمور التي قد يكون مفيدا الاطلاع عليها واستخلاص العبر اللازمة منها:
الخلاصة الأولى تتمثل في أن الهدوء والرقي خلال مواجهة أي عمل معادي للعرب والمسلمين هو أمر ضروري جدا حتى لو كان بحجم الرسوم المسيئة لرسول الإسلام (صلى الله عليه). وبالطبع فإن المقصود بالهدوء هنا ليس تجاهل الأمر تماما وكأنه لم يكن، بل مواجهة ما جرى باللغة التي يفهمها الرأي العام المحلي من خلال وسائل إعلامه تحديدا.
هذا يعني إطلاق حوار جدي مع فئات المجتمع الفاعلة بهدف تبيين مكامن الخلل القائم، وإظهار استعداد تام لفتح القضايا الخلافية المثارة حاليا، والعمل على إيضاح كثير من الأمور المنتشرة في الغرب والتي يعتمد عليها مناصرو الإسلاموفوبيا لنشر سمومهم بين المواطنين العاديين، وخصوصا بين هؤلاء الذين يبنون ثقافاتهم ومعتقداتهم بناء على الزاد اليومي الذي يحصلون عليه من صحف التابلويد ومثيلاتها.
الخلاصة الثانية تتمثل بالتعاون مع المؤسسات الرسمية المعنية التي ترغب حسب اعتقادي بإحلال أكبر قدر ممكن من التفاهم بين كافة مكوّنات مجتمعها، وبالتالي فإن آخر ما تتمناه هو أن تساهم في ذرع بذور الفتنة فوق أراضيها، خصوصا إذا تعلق الأمر بدول تدّعي الديمقراطية وتبنّيها لثقافة احترام الآخر.
وقد بيّنت التجربة التشيكية أن هذه المؤسسات تنطلق في مكافحتها لهذه الظواهر مما نشهده من توتر في العالم بخصوص ما يشاع عن صراع الحضارات، فهي وإن كانت تميل بطبيعة الحال إلى المعتقدات السائدة في مجتمعها، إلا أنها لا تسعى ـ انطلاقا من واقعها الديمقراطي ـ لقمع الآراء الأخرى حتى لو اعتقدت في خبايا نفوسها أنها قد تشكّل خطرا على تطور المجتمع وفق تصورها الإيديولوجي أو الديني. ومن هنا، فإن المسلمين قادرون على الاستفادة من هذا الواقع للمساهمة في إثارة نقاش سليم وبنّاء لقلب الصورة السيئة عن العرب، والتي يصر بعض المستفيدين على تكريسها كواقع لا يمكن المساس به بأي شكل من الأشكال.
أما الخلاصة الثالثة التي بيّنتها لي التجربة التشيكية، فتمثلت في حقيقة أن مثيري هذه الأعمال السيئة المناهضة للعرب والمسلمين لا يشكلّون في واقع الأمر أغلبية ساحقة في المجتمع، بل هم قلّة قليلة لكن منظمة بشكل جيد أو اعتباطي في بعض الأحيان. المهم في ذلك هو أن تلك القوى، الموجودة على هامش الحياة السياسية أو التي تشعر بأنها ستقترب من ذلك الهامش، تسعى بين وقت وآخر لإثارة المواضيع الحساسة التي تُبرزها إعلاميا لكي تعيد نفسها إلى دائرة الاهتمام الجماهيري.
وإذا أخذنا التجربة التشيكية كمثال على ذلك، يتّضح لنا بأن الحزب القومي المذكور أعلاه يحاول منذ فترة الاعتماد على تلك المواضيع لاحتضان الجماهير المحسوبة على اليمين المتطرف، فنراه ينتقد المسلمين تارة، واليهود تارة أخرى، والأقليات القومية في بعض الأحيان وهكذا دواليك.
لقد شاء قدرنا أن نكون للأسف جزءا من هذا الصراع الذي لم نكن نرغبه. أما إذا فرض علينا قسرا، فالهدوء والحكمة عندئذ أمران ضروريان جدا.
كاتب لبناني