القمة العربية الأخيرة لا سابقة لها من ناحية ما تسعى مختلف الأطراف المتصارعة على هامشها، سواء من موقع المشاركة فيها أم انطلاقاً من جبهة مقاطعتها، إلى تحقيقه عبر محاولات إنجاحها أو إفشالها، في ظل حالة اصطفاف واستقطاب غير مسبوقة أيضاً كسر العظم فيها هو العنوان الرئيس، فبينما كان المراقبون للحدث منهمكين في تحليلاتهم للملفات الغائبة عن القمة أو الحاضرة فيها وعلى رأسها الملف الرئاسي والحكومي في لبنان، كان ثمة أمر خطير آخر يتسلل من بين أصابع جميع المعنيين بما يسمى العمل العربي المشترك أو ما تبقى من مؤسساته الرسمية الهشة أصلاً.

الرابح الأكبر في معادلة الشد والتراخي في قضية المشاركة في قمة دمشق من عدمها هو، بلا شك، من حظي بفرصة صب زيت الانهيار الشامل على نار الوضع المأزوم أصلا الذي تعيشه مؤسسة جامعة الدول العربية كآخر معقل لمنظومة سياسية تضم تحت قبتها كافة البلدان العربية مجتمعة. أما الخاسر الأكبر فقد لا يختلف عاقلان على أنه الهوية القومية العربية أو، إنصافا للحقيقة والواقع، ما تبقى من أشلائها المبعثرة تحت وطأة حمى محاولات استقطاب إستراتيجية جديدة في المنطقة يبدو أنها بدأت تؤتي أكلها.

الشياطين التي أحاطت بانعقاد هذه القمة الدورية لا تكمن في تفاصيل الملفات السياسية العربية الساخنة منذ ردح من الزمن المطروحة عليها، والتي لم يخطر على بال أكثر المراقبين تفاؤلاً أن قمة من هذا النوع كانت قادرة على تبريد ولو جانب منها، تلك الشياطين كانت دوماً ولا تزال كامنة في محاولات تثبيت سابقة تاريخية على جانب كبير من الخطورة تتمثل في مقاطعة الوفود العربية لها أو تدني مستوى مشاركتها فيها بصورة مبرمجة ومنسقة على أعلى المستويات في دوائر صنع القرار المحلية والدولية.

على الرغم من نجاح انعقاد قمة دمشق من ناحية عدد الحضور، إلا أن ما لاشك فيه هو أن غياب رأسين من مثلث العمل العربي الرسمي المشترك (السعودية ومصر) عنها، فضلاً عن غياب أو تدني تمثيل عدد من البلدان العربية صاحبة الملفات الساخنة التي كان من المنتظر مناقشتها في قمة دمشق، من شأنه أن يخط نهجاً جديداً في التعامل مع مسألة مشاركة أي من البلدان العربية في أي قمة دورية مقبلة.

بحيث يصبح أمراً اعتيادياً أن تتحكم الأجندة السياسية الراهنة بطبيعة تلك المشاركة، وكأن المطلوب من هكذا مؤتمرات هو عدم الدخول في مناقشة أي أمر جدي يتعلق بالقضايا الكبرى التي تدخل في دائرة المصالح الجيوسياسية للمنطقة، في حين تبقى مسألة النظر فيها من شأن أطر سياسية أو عسكرية أو اقتصادية أخرى ذات طابع إقليمي أو دولي بشكل حصري، ما يفرغ الجامعة العربية ومؤسساتها من أي مضمون حقيقي ويحولها إلى مجرد جمعية خيرية تقوم على مبدأ العمل الطوعي.

مربط الفرس في هذه الأزمة الخانقة يكمن في إمكانية نجاح المحاولات المضنية التي يتصدى لها التحالف الصهيو ـ أميركي والقائمة على قدم وساق والهادفة إلى تذويب الهوية القومية العربية في بوتقة إقليمية أوسع تدعى الشرق الأوسط الأميركي الكبير. من قال إن القيمين على هذا المشروع الدنس قد تخلوا عنه للحظة واحدة. وإلا ما الذي يصبو إليه كل هذا الحجيج الأميركي إلى المنطقة؟

ألم يخجل بعض المسؤولين الأميركيين على غرار ديك تشيني وغيره من تحريض عدد من البلدان العربية على مقاطعة قمة سلاحها الكلمة والحوار ولغة التفاهم، بينما تنهمر صواريخ وقذائف جيوشهم الجرارة على رؤوس المواطنين الأبرياء في العراق وفلسطين وأفغانستان وغيرها من مناطق العالم؟

شعوب العالم سئمت من السياسات الدنيئة التي تتبعها الإدارات الأميركية المتعاقبة في تعاملها مع قضايا لو وجدت طريقها إلى الحل من خلال لغة الحوار والتفاهم لما كنا أمام هذا المشهد المأساوي الدامي الذي يغطى العالم في جهاته الأربع، خصوصا بعدما جاءت قمة مجموعة « ريو» التي جمعت رؤساء بلدان أميركا الجنوبية مطلع الشهر الجاري في جمهورية الدومينيكان لتثبت للعالم أجمع أن لغة الحوار وليس القوة قادرة بجدارة على حل أعقد المشكلات السياسية.

فلقد كان فتيل الحرب بين كولومبيا المدعومة من قبل واشنطن من جهة والإكوادور وفنزويلا من الجهة الأخرى قاب قوسين أو أدنى من الاشتعال، لكن جلوس هذه الأطراف المعنية على طاولة الحوار ومراعاة المصالح الحقيقية لشعوبها حال دون ذلك، على الرغم من الضغوط التاريخية المزمنة التي يمارسها «الأخ الأكبر» وبشكل قذر غالبا على حكومات بلدان أميركا اللاتينية لتمرير سياساته العدوانية التي باتت مكشوفة للجميع.

أليس لنا في جمهوريات « الموز» مثل يحتذى.

bassil@albayan.ae