لم نسمع من الدول التي خفضت مستوى تمثيلها في قمة دمشق العربية أي سبب مقنع ـ أو حتى غير مقنع ـ لقرار التخفيض وتبريره، أما ما جرى تسريبه إعلامياً بأن سبب خفض التمثيل هو «تقاعس» النظام السوري عن استخدام نفوذه في لبنان للمساعدة في انتخاب رئيس لبناني فهو أوهى من خيط العنكبوت ولا ينطوي على ذرة من المصداقية.

السبب الحقيقي لا يقال لأنه مبعث حرج، وهو أن هناك جهات عربية شاءت لنفسها أن تتجاوب مع المخطط الأميركي لعزل سوريا إقليمياً، ويبقى إذن السؤال الأساسي الذي ينبغي أن يطرح: لماذا تريد الولايات المتحدة ضرب عزلة إقليمية على سوريا ومحاصرتها سياسياً؟

الإجابة عن هذا التساؤل تتسلسل في حلقات تنتهي أيضاً إلى نقطة حرج لدى الجهات العربية المشار إليها، لأنها تقود عند نهاية المطاف إلى القضية الكبرى الحقيقية: الصراع العربي الإسرائيلي.

تسلسل الحلقات يتخذ الشكل الآتي:واشنطن تسعى لعزل سوريا لأن سوريا متحالفة مع إيران، وماذا يؤخذ على إيران؟، انها الداعم الأكبر بالسلاح والمال للمقاومة اللبنانية المسلحة المتمثلة في «حزب الله»، وماذا يؤخذ على حزب الله؟، أنه يهدد أمن إسرائيل في المدى المرئي ويستهدف بقاءها على قيد الحياة في المدى البعيد.

من هذا المنظور نفهم لماذا تصنف واشنطن حزب الله كعدو مستديم بحكم التحالف الاستراتيجي الثابت بين الولايات المتحدة والدولة اليهودية، لكن كيف نفهم أن تصطف دول عربية مع الولايات المتحدة وإسرائيل في استهداف المقاومة اللبنانية المسلحة بالعداء، ثم تنطلق بعد ذلك لتتخذ موقفاً عدائياً ضد إيران التي تدعم هذه المقاومة، وبالامتداد ضد سوريا لتحالفها مع إيران في هذا الصدد؟

من الواضع أن إدارة بوش سعت أولاً إلى الحيلولة دون انعقاد اجتماع القمة العربية في دمشق، لكنها قبلت لاحقاً بأن يكون التمثيل منخفض المستوى بعد أن اقتنعت بأن مسعاها لنسف الاجتماع بات مكشوفاً، وفي كل الأحوال فإن «العقاب» الأميركي لدمشق يعتبر خطورة رمزية لا أكثر، لأن واشنطن أول من يعلم أن مؤتمرات القمة العربية ليست سوى اجتماعات احتفالية، غير أن التجاوب العربي النسبي مع الضغوط الأميركية لتفشيل قمة دمشق يفضح حقيقة «الصراع العربي الإسرائيلي» من أنه ليس هناك صراع حقيقي، وفي هذا السياق لم تأت القمة الأخيرة بجديد، وما كان لها أن تأتي بجديد حتى لو كان التمثيل فيها على المستوى الأعلى الكامل.

غاية ما انتهت إليه قمة دمشق هو إعادة طرح مشروع «المبادرة العربية» بعد ست سنوات من طرحه للمرة الأولى، وطوال هذه السنوات تراوح الرد الإسرائيلي بين التجاهل الكامل والرفض.

هناك احتلال، وهناك مقاومة للاحتلال يتصدرها كل من حزب الله وحماس، والأجدر بالدول العربية أن تدعم المقاومة أو على الأقل أن تلتزم موقفاً حيادياً سالباً نحوها، أما أن تتحالف مع الولايات المتحدة ـ الشريك الاستراتيجي الأعظم لإسرائيل ـ ضد المقاومة فإن هذا لا يليق، إذا استخدمنا لغة مخففة.