من جديد، تأتي الوزيرة رايس إلى المنطقة. ما يستوقف في زيارتها، التوقيت والأجواء الغامضة؛ التي سبقتها، ثم التي رافقتها. وصولها تزامن مع اليوم الأول للقمة العربية؛ في دمشق. لا يبدو أن الأمر محض صدفة. إما أن فيه رسالة. أو ربما رسائل. وإما أنه يندرج في سياق التحرك الذي سيتلو القمة؛ التي أحاطت بها إشكاليات المشاركة والحضور؛ وما عكسته من خلافات عربية عميقة. وقد يكون الاثنان معاً.
كان من الملفت، أن مجيئها أحيط بأقل قدر من الأضواء. وكأنها تعمدت ذلك، لأنها لا تحمل جديداً، على صعيد المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية.
نفس البضاعة وذات الخطاب. كلام يدور في العموميات ولغة التمويه. في شرحها لمهمتها، تقول بأنها ليست قادمة «لزرع أفكار أميركية في العملية». وكأن المفاوضات ليست بحاجة إلى أي تفعيل، لأنها تتقدّم بسلاسة، تدعو أشدّ المتشائمين إلى التفاؤل. فالوزيرة ترى أنهم «يقومون ـ أي الفلسطينيين والإسرائيليين ـ بالكثير لوحدهم؛ لكني أريد التحدّث إليهم لمعرفة كيف تسير الأمور».
وكأن حقيقة سيرها غامضة. أو أنها مغلّفة بالأسرار، التي اقتضت مشقة السفر من واشنطن إلى الشرق الأوسط؛ للاطلاع على حقائقها. يعزّز من طرح علامات التعجب، كلام رايس، في معرض شرح زيارتها، بأنها ستحاول الحصول على موافقة إسرائيل على تخفيف قيودها، التي تفرضها على تنقل الفلسطينيين في الضفة.. فقط، هي تعد بالقيام بمحاولة؛ في هذا الخصوص. لا تضمن تحقيقها. ناهيك بإدانتها لهذه القيود.
بحدود المعروف هي جاءت في إطار التمهيد لزيارة الرئيس بوش، إلى المنطقة، في مايو القادم؛ والتي كان وعد بها في أعقاب أنابوليس. الغرض منها، الوقوف على ما تحقق، بشأن هذا الأخير. وبما أنه لم يتحقق شيء، يمكن تصنيفه في خانة التقدم الملموس ـ ولا حتى على صعيد الإجراءات الأولية البسيطة ـ فهي أتت بغرض «تحريك» العملية؛ من خلال إحياء اللقاءات الدورية، التي كان قد تقرر عقدها كل 15 يوماً؛ بين الرئيس عباس وأولمرت. وهي كان قد جرى تعليقها، منذ أوائل مارس، إثر العدوان الإسرائيلي الدموي على غزة. «تحريك» فقط. إياها العبارة التي صارت مرادفة للدوامة والدوران في الحلقة المفرغة المألوفة.
قبل انتهاء الربع الأول من هذه السنة، حرصت إدارة الرئيس بوش على إشاعة الانطباع بأنها عقدت العزم على ترك بصماتها «السلمية»،على قضية المنطقة؛ قبل رحيلها عن البيت الأبيض؛ بعد أقل من عشرة أشهر. نزل بوش بثقله وعقد أنابوليس. ثم جاءت رايس، أكثر من مرة. بعد ذلك، قام الرئيس بزيارته الأولى إلى المنطقة. تبعه، مؤخراً، نائبه تشيني.
واليوم تكرر رئيسة الدبلوماسية الأميركية زيارتها، للمرة الثانية، خلال هذا الشهر. العنوان المشترك، الحاضر باستمرار، كان «التحريك» وتوابعه؛ من شعار «الدولتين»، إلى اسطوانة «السلام». وبالنهاية لا طحين، في صحن كل هذا الضجيج والقرقعة. لكن لا غرابة في ذلك.
لو كانت في سماء إدارة الرئيس بوش غيوم خير، لكانت أمطرت من زمان. ما عزفت عنه خلال سبع سنوات، لا يعقل أن تقدم عليه، في اللحظة التي تحزم فيها حقائب الرحيل، من البيت الأبيض. إذا كان هناك من غرابة فهي أن يواصل الوضع الفلسطيني حروب تفسير المبادرات، لتسوية خلافاته وصراعاته؛ فيما تواصل إسرائيل هجماتها، على كافة الجبهات العسكرية والاستيطانية، فضلاً عن التمادي في مشاريع التهويد والحصار.
