أظهرت الجلسة الأولى من أعمال قمة دمشق العربية أمس التزاماً قوياً بقضايا العرب المصيرية وتكاتفت كلمات القادة حول مضامين تجمع ولا تفرق، تبسط ولا تعقد وأيضاً تبشر ولا تنفر، وعلى نحو يلبي محمل الآمال التي تضمنها البيان الصحفي الذي أدلى به صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء لدى وصوله دمشق امس الاول، والذي دعا خلاله الى تضافر الجهود من أجل وحدة الصف العربي سيراً إلى حالة من الاستقرار تحفظ صيرورة عجلة التنمية في الوطن العربي.

حيث اكد سموه ضرورة السعي لتنقية الأجواء وتعميق أواصر التقارب من أجل خدمة قضايانا المصيرية المشتركة. وكانت الكلمات توافقية وإن اشتملت على شيء من (نقد الذات) العربية بوجه عام. ويمكن القول إن الهدف الذي حددته دمشق لقمتها العربية حول إزالة الانقسام العربي كان واضحاً والكل يسعى في اتجاهه، بمعنى أن تكون القمة قمة (تُصلح وتتصالح)، وتزيل أزمة الثقة أو الخلل والنظر إلى مجمل تقرير الأمين العام لجامعة الدول العربية الذي تلاه عمرو موسى أمس بالنقاط التفصيلية التي وردت فيه تسير كلها في نفس المسار الذي يستهدف حماية المصالح العربية والمبادرة إلى اتخاذ مواقف تحمي ثقافتنا وهويتنا من الصدام الحضاري الذي يسعى خصوم العرب إلى دفعنا إليه.

لكن القضية الفلسطينية تظل هي الثابت الوحيد الذي يجب ان تلتف حوله أفكار القادة العرب جميعهم بعد حالة الاستخفاف الاسرائيلي التي اكتنفت كل ما هو عربي ومنه مبادرة السلام التي تم اقرارها في بيروت عام 2002 وحتى الآن لم تحترمها اسرائيل بل وجدت من مواقف بعض دول العالم من يساعدها على تجاهل هذه المبادرة حسب ما ورد في كلمة رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر.

وبخلاف القضية الفلسطينية تبدو كل القضايا محل نظر وتداول وحوار بناء من اجل حماية ثوابت الموقف وتأمين الأمن القومي العربي الشامل وإخلاء المنطقة من اسلحة الدمار الشامل وأولها اسلحة اسرائيل.إن من الطبيعي ان يكون هناك اختلافات في الرأي حتى داخل الأسرة الواحدة، لكن يظل الهدف واضحاً وهو حماية المستقبل العربي من أي تحديات تهدده.

إن الظروف الاقليمية والدولية لم تعد تترك مجالاً لتجاهل تلك التحديات ومن ثم كانت الدعوات خلال القمة إلى التركيز على (المشتركات) وإلى التهدئة في القضايا الخلافية، وإلى إعلاء قضايا الأمن القومي العربي كمظلة تحمي الجميع، ولا يمكن إنكار الدور السلبي الذي يلعبه كل وسيط (غير عربي) في قضية عربية، حيث يكون نشاطه الأساسي منصباً على مصالحه في الاساس والتي قد تتقاطع بشكل كلي مع المصالح العربية العليا، فيبدأ في اللعب على التناقضات العربية وإذكاء روح الفرقة والتشرذم بين ظهرانينا.

إن المنطقة العربية من اقصاها إلى اقصاها بحاجة ماسة الى استمرار جهود التنمية والاستعداد لمواجهة المستجدات العالمية ذات الطابع الاقتصادي مثل نقص الغذاء وتضاؤل موارد الطاقة على مستوى العالم عن تلبية الاحتياجات الاستهلاكية والتصنيع وقضايا اخرى كتقلبات المناخ واحتمالات تأثر المنطقة العربية بعوامل بيئية سلبية تبدو مقدماتها واضحة من التقارير المعاصرة بهذا الشأن ذلك فضلاً عن برامج النهوض بالتعليم والرعاية الصحية ومقاومة الامراض الفتاكة التي لم يخرج لها العلم الحديث علاجات حاسمة.

فلنعط من خلال القمة العشرين في دمشق مزيداً من الشعور باحتمالات النجاح، ولنعط دلائل على إيماننا بالحكمة التي قيلت في جلسة افتتاح القمة امس (تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا).