على الرغم من النجاح الكبير الذي أظهره نظام «بصمة العين»، الذي تطبقه السلطات على منافذ الدولة، وعلى الرغم من الكفاءة العالية التي أثبتها في معرفة ملف الداخلين والخارجين، إذ لم تعد الأساليب الملتوية التي كان يمارسها البعض للتحايل على القانون وخرقه مجدية، إلا أن الواقع يشير إلى وجود خلل أو بالأصح قصور.

هذا القصور تظهره صور الجثث المجهولة التي تنشرها السلطات بين الحين والآخر لأشخاص توفوا تحت عجلات السيارات دهساً على الطرقات أو بنوبات قلبية فاجأتهم هنا وهناك أو لأسباب أخرى ولظروف أخرى، يموت خلالها بعض الناس من العمال وغيرهم ممن يقيمون في البلاد، ولا تتمكن السلطات من الوصول إلى هويتهم لعدم حملهم ما يكشف عن ذلك، فتطلب من الجمهور عبر الصور المنشورة في الصحف مساعدتها على التعرف عليهم والتوصل إلى ذويهم، هذه المحاولات قد تنجح مرة وتفشل مرات، مما يؤكد أن بصمة العين وحدها لم تعد كافية في التعرف على هويات الأشخاص.

والسؤال لماذا اللجوء إلى هذا الأسلوب فقط، وفي وسع السلطات أن تسهل على نفسها التوصل إلى أصحاب تلك الجثث من غير عناء ومن غير إبقائها لأشهر في ثلاجات حفظ الموتى، فالحل يمكن أن يكون من خلال إعداد ملف الحمض النووي لكل من يدخل البلاد زائراً أو مقيماً، هذا الملف الذي يعتمد على أي سائل من جسم الإنسان وليكن اللعاب على سبيل المثال أو جزء بسيط من أي جزء من جسده، يمكن مطابقته مع العينة التي يحصل عليها بعد وفاته سواء أكانت طبيعية أم جنائية أم حتى إذا مات غريقاً أو محروقاً.

إن لهذا الملف فوائد أخرى تخدم السلطات في بعض الظروف، وتعينها على سرعة تحديد هويات هؤلاء وربما في أمور أخرى، فبلادنا في تطور سريع وهائل تجذب معها مئات الألوف من الناس الذين يتوافدون يوميا عبر منافذ الدولة لأسباب عدة، وقد يقصر بقاء البعض منهم وتطول إقامة الكثيرين، لذا أصبحت الحاجة ملحة لمواجهة كل هذه المتغيرات وأن تكون هناك أيضا أساليب غير تقليدية تسهل عمل الجهات المعنية وتجعله أكثر دقة.

وحتى لا تجد السلطات نفسها يوميا أمام جثث مجهولة تبقى محفوظة لأيام، بل لأشهر في الثلاجات. وفي النهاية لا يتم التوصل إلى هويتها، فتدفن بعد ذلك بعد جهد ووقت يتم بذلهما في محاولة التعرف على أصحابها من غير فائدة. وكان بالإمكان توفيرهما منذ البداية.

fadheela@albayan.ae