مع مطلع العام السادس للاحتلال الأميركي للعراق، تستمر المأساة التي جرحت قلوب ملايين العرب، وتستمر معها تفاعلات الحدث المتواصل منذ مارس 2003 في الساحتين العربية والدولية، بينما تتواصل التفاعلات الأميركية الداخلية، في الشارع وسط الرأي العام الأميركي وداخل مجلسي الشيوخ والنواب على حد سواء، حيث بات ملف العراق عبئاً ثقيلاً، يقض مضاجع الرئيس جورج بوش الابن، وإدارته الصقرية، ويضيف فشلاً كبيراً لسياساتها الدولية على امتداد المعمورة.
ويتوعد الحاضر والمستقبل السياسي لمنظري الحرب، بينما تستمر الورطة الأميركية الكبيرة في أوحال العراق، في الوقت الذي ترتفع فيه أصوات الجمهور الأميركي الذي بات يطالب كل يوم بإنهاء الوجود الأميركي والانسحاب من العراق، مترافقاً مع صوت الشارع البريطاني في التحركات الشعبية والمظاهرات المشهودة.
فإدارة الرئيس جورج بوش الابن لم تعد تستطيع مواصلة سلوك المكابرة في معالجة الملف العراقي، فقد عجزت قوات الاحتلال الأميركية حتى اللحظة من تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والسياسي في الساحة العراقية، وباتت الآن تغرق في مستنقع اسمه أوحال العراق، الأمر الذي عبرت عنه بوضوح وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت (وهي الوزيرة المعروفة بتشجيعها غزو العراق قبل أعوام خلت) التي قالت بأن العراق أصبح «أكبر كارثة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية المعاصر».
وأشارت دراسة مقدمة من قبل بيتر بيرغن وبول كروكشانك، الباحثين في مركز القانون والأمن في كلية الحقوق بجامعة نيويورك بأن شعب الولايات المتحدة «سوف يعيش ورطة في العراق لأكثر من عقد قادم»، وأعتبر بأن «وصول الوضع الأميركي في العراق حدّ الانهيار، فإنّ المنطقة والعالم قد يكونان مقدمين على زمن خطير جداً قد يُرغم مفتعلي هذه الحروب على إعادة الاعتقاد بأننا نعيش في عالم واحد لا عالمين.
وأنّ النار التي يشعلونها هنا ستصل ألسنتها إلى الجميع، وأنّ الأساس في خلق الأمن للجميع هو إعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية وللمعايير الأخلاقية والتّخلص من النظرة العنصرية للعرب».
فالنفاق والتكاذب على أشدهما في الساحة الأميركية الداخلية بين الجمهوريين والديمقراطيين في ظل معمعة الانتخابات التمهيدية الجارية هناك رغم صدمة العراق، والموسم الانتخابي يتفاعل مع الموضوع العراقي، وهو موسم تحييد العقل عند الجمهوريين في مواجهة ملف العراق الذي بات سلاحاً بيد كل من المرشحين الديمقراطيين بارك أوباما، وهيلاري كلينتون، في مقابل تثبيت المشهد وانتقائية الوقائع التي تبنى عليها الحجة ضد المرشح الآخر والمصلحة الانتخابية.
فالمرشحان الديمقراطيان يتباريان بشكل رئيسي في نقد سياسة بوش في العراق، ولكنهما لا يقولون كلمة واحدة حول سياسته بالنسبة لفلسطين خوفا من خسارة اللوبي الإسرائيلي.
فغبار وزوابع «البروبغندا» الاستعمالية للموضوع العراقي ترافق الحملة الإعلامية الاستعراضية الهائلة للمرشحين المذكورين بشكل مصطنع ومطلوب على مايبدو لحصد وحشد الجمهور الانتخابي خلف كل واحد منهما، بينما يصعد المرشح الجمهوري حملة على الجانب الآخر للتخفيف من وطأة ماجرى ويجري من تفاعلات بين الناس داخل الولايات المتحدة بصدد الإخفاقات التي تعانيها الإدارة الأميركية وارتفاع أصوات المطالبين بالانسحاب من العراق.
حيث بات ملف العراق يقض مضاجع الإدارة الأميركية كل ساعة وكل لحظة، وفي سياق غرق الولايات المتحدة في أوحال المستنقعين الكبيرين، المستنقع الكبير في العراق والمستنقع الصغير في أفغانستان، وضياع شعار «الحرب على الإرهاب» في متاهات وسراديب الخراب الذي خلفته الحرب الأميركية في العراق بشكل أساسي حيث مظاهر عمليات القتل والإبادة الجماعية التي تنكأ وتدمي المشاعر الإنسانية وتجرح القلوب وتدميها.
إن قطاعات متزايدة من رجالات السياسة ومراكز الدراسات والأبحاث الأميركية باتت على قناعة شبه كاملة بأن استخدام القوة لن يساعد في إيجاد الحلول للوضع المنفلت في العراق دون رؤية سياسية متكاملة للحل. فالحل سياسي، وينبغي أن ينبع من العراقيين أنفسهم، ثم يأتي دور دول الجوار والمجتمع الدولي لدعم الحل وتحصينه.
فقد ثبت للرأي العام الأميركي قبل غيره، أن شعب العراق ليس مطواعاً لإرادة المحتل في نهاية المطاف، وأن حلما راود ومنظري الحرب بشأن غنائم ما بعد الاحتلال واقتسام ثروات العراق بدأ بالتلاشي على أرض الواقع، فقد كان الاعتقاد السائد قبل احتلاله بأن «العراق سيعوض خسائر الحرب في أفغانستان» التي لم يحصد منها الأميركان من غنائم سوى الغبار والغوص في أوحال مجتمع فقير وبلاد مترامية الأطراف، منكوبة ومحدودة الموارد.
أما العراق بثرواته الكامنة فقد أسال لعاب ديناصورات البيت الأبيض، باعتباره «بالوعة النفط» التي تندلق أمامها شهية مؤسسات الكارتل النفطي التي يشارك بها الرئيس بوش ذاته، فضلاً عن ديك تشيني وكوندوليزا رايس وباقي المجموعة القابضة على سلط القرار التي تعتقد بأن من «سيدير العراق» أو يمسك بمقاليد الحكم سيدير في الوقت ذاته نفط العراق وعملية تسويقه وعلاقاته التجارية، وسيكون بإمكانه عندئذ أن يقرر بقدر كبير كيف ستبدو حال منظمة الأوبك وسياساتها السعرية.
كاتب فلسطيني ـ دمشق