«هل ستجعلك الديمقراطية سعيداً؟» هذا ليس سؤالي، بل عنوان مقال جدير بالقراءة والتأمل منشور في عدد مارس/ ابريل 2008 من مجلة «فورن بوليسي» الاميركية للصحافي ايريك واينر مراسل «ناشونال بابليك راديو» ومؤلف كتاب «بحث شخص متذمر عن أسعد الأماكن في العالم».

يطرح واينر في مقاله فرضية للمناقشة حول علاقة الديمقراطية بالسعادة منطلقا من مناقشة فكرة رائجة هي «أن الديمقراطية تساوي السعادة»، والكاتب يجادل في مقاله بالعكس قائلا «الآن يقلب منحى جديد في علم السعادة هذه المعادلة رأسا على عقب».

يحيلنا واينر في مقاله إلى أستاذ في مركز الدراسات السياسية في جامعة ميتشغان رونالد انغلهارت «الذي قضى حياته المهنية وهو يدرس العلاقة بين الديمقراطية والسعادة» وفق ماينر. يقول انغلهارت: «بناة الأمم أصحاب النوايا الحسنة ومصدرو الديمقراطية مخطئون في ظنهم (..) فالديمقراطيات لا تجعل الناس سعداء، بل ان الناس السعداء يصنعون الديمقراطيات».

يعيد الكاتب في موضع آخر طرح السؤال: «ما الذي يأتي أولاً: السعادة أم الديمقراطية؟». يفيض واينر في استعراض فرضيات حول العلاقة بين الديمقراطية والسعادة وأيهما يؤثر في الآخر أو يصنع الآخر على نحو أدق، وهو يحثنا على التعامل مع الفرضيات التي يطرحها باعتبارها بدايات مبكرة قد لا ينبغي البناء عليها بشكل كلي.

لكن النقاش بأكمله يعيدنا إلى إشكاليات خاصة بنا نحن العرب حكمت علاقتنا وموقفنا من الديمقراطية والقيم الضرورية المرتبطة بها مثل حرية التعبير والمحاسبة والنقد والمصارحات والشفافية واحترام صناديق الاقتراع. ان الاشكالية التي مازالت تهمنا هي من النوع المعيق: هل تناسبنا الديمقراطية أم لا؟

هذه الاشكالية هي المسؤولة عن منطق معظم الحكومات العربية حيال الديمقراطية، لكنها أيضا منطق رائج يجد تأييدا وإيمانا حقيقيا لدى شرائح واسعة من نخب سياسية ومثقفين وصناع رأي عام ومواطنين أيضا. ويتعين عدم الاستخفاف بهذا النوع من الآراء، بل أخذها على محمل الجد لانها تعبر عن جملة من الحقائق في الحياة اليومية في ظل الديمقراطية أيضا. هنا بالضبط يبدو سؤال واينر في مكانه ولو بتعديل بسيط: «هل جعلتنا الديمقراطية سعداء؟».

إن حرية التعبير والنقد والتوجه بشكل منتظم ودوري إلى صناديق الاقتراع هي ممارسات ديمقراطية، لكنها لم تجعلنا سعداء بالكامل. نحن سعداء بكوننا أصبحنا نملك حق اختيار ممثلينا في البرلمان وفي المجالس المحلية.

سعداء بالتأكيد بان نمارس حرية التعبير عن أنفسنا ونوجه النقد لمن نعتقد أنهم مقصرون في أداء الواجب، كما أن النقاش والجدال العام والمماحكات باتت تمنحنا شيئا من الرضا أيضا، لكن هل جعل منا هذا شعوبا سعيدة؟ العراق بالتأكيد مثال سيئ يؤكد صحة ما ذهب اليه رونالد انغلهارت في عبارته الآنفة الذكر أن «السعداء هم من يصنعون الديمقراطية». ماذا عن الآخرين؟

مازال لدى البحرينيين متسع للحديث بشيء من الزهو عن ديمقراطيتهم، لكن هل يعني أن الديمقراطية في البحرين جعلت من البحرينيين سعداء بشكل اتوماتيكي؟ لن يختلف اثنان على أن الجواب كلا، فلا المصاعب المعيشية ولا التأزمات السياسية المتكررة التي باتت متلازمة مع الممارسات المستقرة للديمقراطية كفيل بأن يجعلنا واثقين من أن الديمقراطية قد منحتنا السعادة حكما.

ثمة عنصر آخر مهم يجادل به واينر هو الثقافة. ومن جديد يحيلنا إلى انغلهارت الذي يقول: «يبدو أن الثقافة تؤثر على الديمقراطية أكثر بكثير مما تؤثر الديمقراطية على الثقافة».

أجد الرجل محقا، ففي مجتمعات مثل مجتمعاتنا الثقافة تكاد أن تكون العنصر الأكثر تأثيرا بلا منازع في جدل الديمقراطية وإشكالياتها. الدليل هو هذا السجال المستمر حول الديمقراطية وهو سجال لا يدور الا حول المفاهيم والتعاريف وادوات القياس، أي جدل ثقافي بامتياز يأتي على حساب السعي نحو تكريس الديمقراطية ومفاهيمها قيمة عملية في الحياة اليومية وفي الحياة السياسية.

لكن ما من أمر سيجعلنا نشعر بالوطأة التي لا تحتمل لفقدان السعادة في ظل الديمقراطية أكثر من تصاعد الطائفية. إن الطائفية تبدو كلمة مخففة أو ذات وقع غير مرعب طالما كتبت هكذا مجردة. ولأنها وثيقة الصلة بالثقافة السائدة لدى الناس، فهي ستذكرنا حتما بالكيفية التي تؤثر فيها الثقافة في الديمقراطية. فإذا كانت الديمقراطية نسقا واضحا استقر عليه العالم من الممارسات والأدوات والخطوات الضرورية والأنظمة، فإن الثقافة أكثر فعالية في التأثير في الديمقراطية لأنها متحركة ورجراجة ومتغيرة وفي أحيان كثيرة ذرائعية بل انها لا تقوم على منطق سوي في احيان كثيرة.

وإذ هي خليط من ثقافة عامة رائجة وتتشكل أيضا من وحي الإيمان الديني ومنظومة العادات والتقاليد، فان تأثيرها في الديمقراطية ليس موضع شك. من هنا تبدو الطائفية (ولنتذكر جيدا أنها جملة من المقولات والمفاهيم والأساطير والأوهام أيضا) أكثر المخاطر التي ستطير السعادة من بين أيدينا. كيف نكون سعداء رغم الديمقراطية في ظل هذا الشحن المتواصل للنزعات والأحقاد الطائفية؟

عندما تكون حياتنا اليومية وحياتنا السياسية (التعددية) مسرحا لاستثارة أسوأ الكوابيس في نفوسنا، لن يكون بالإمكان أن نشعر بالسعادة في ظل الديمقراطية.

لكن تأثير الثقافة في الديمقراطية لا يتوقف هنا فحسب، بل يمضي إلى ما هو أبعد. إن أحد مقومات السعادة من وجهة نظري هي مدى الإحساس بالحرية الفردية. أعتقد أنه كلما كانت الحرية الفردية محترمة ومصانة كلما زاد إحساس الناس بالرضا الداخلي (مقياس السعادة الأهم). فالشعور بأنك مراقب أو أن ثمة من يتربص بك حتى في منزلك وحياتك الخاصة منغص مستمر ويؤثر حتى في السوية.

مجتمعاتنا تقدم نماذج غير مؤاتية هنا لأننا ما زلنا نعيش تحت وطأة إحساس قوي ومتأصل بالرقابة الجمعية لأن الحريات الفردية تتعرض لهجوم مشرعن من اجتهادات قاصرة باسم التعاليم تارة أو باسم الأخلاق تارة أخرى. الحجة هنا مفارقة: ففيما نقبل بحرية الاختيار السياسي عندما يتعلق الأمر بالانتخابات مثلا، تبقى الحياة الخاصة والخيارات الفردية والسلوكيات (غير الاجرامية طبعا) خاضعة للرقابة والهجاء المرير والعقاب ايضا.

يخلص واينر إلى أن استنتاجاته واستنتاجات المختصين في العلاقة بين الديمقراطية والسعادة تبقى استنتاجات أولية قد لا يصح البناء عليها، لكنني أشعر أن أفضل الأمثلة على هذه الفرضيات التي تؤكد أن «السعداء هم من يصنعون الديمقراطية» موجودة هنا في هذه المنطقة المسماة «الشرق الاوسط»، ولعلنا امتلكنا جوابا لإخفاقنا في بناء الديمقراطيات: إننا لسنا سعداء.

كاتب بحريني