سيقوم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي خلال الأيام القادمة بزيارة إلى جمهورية الصين الشعبية هي الأولى لمسؤول إماراتي رفيع المستوى منذ زيارة سموه الأخيرة إلى داليان للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في سبتمبر 2007. بهذه الزيارة يتساءل الفرد عما الذي يمكن أن يتوقعه الوفد الإماراتي الزائر للصين؟ وما الذي يمكن أن تستفيده الإمارات من مثل هذه الزيارة؟

أول ما يمكن توقعه هو الترحيب الكبير الذي سيحصل عليه وفد الدولة من المسؤولين الصينيين بمن فيهم رئيس الجمهورية الشعبية الصينية. هذا الترحيب مرده عاملان أساسيان: الأول هو أن الشراكة التجارية بين الصين والإمارات تعتبر كبيرة مقارنة بدول المنطقة الأخرى.

حيث إن الصين تنظر إلى الإمارات كنقطة تمركز لبضائعها وشركاتها التي تستهدف منطقة الشرق الأوسط، فقد كان حجم التبادل التجاري بين الصين والإمارات في عام 2007 قد وصل إلى ما يزيد على 20 مليار دولار أميركي وهو يعد الأكبر للصين مقارنة مع أية دولة أخرى في منطقة الشرق الأوسط، كما أن دولة الإمارات تحتضن ما يزيد على 1000 شركة صينية تتخذ من السوق الإماراتية موطئ قدم لها في المنطقة.

كما أن الشركات الصينية تستثمر ما لا يقل عن 3 مليارات دولار أميركي في دولة الإمارات. الثاني مرتبط بالسبب الأول والمتمثل في أن الصين ترحب دائماً بالوفود ذات الطابع الاقتصادي أكثر من ترحيبها بالوفود ذات الطابع السياسي، حيث إن الصين وضعت نصب عينها تنمية اقتصادها إلى درجات تسمح لها توفير فرص عمل لمواطنيها في الداخل ولشركاتها العاملة في الخارج، لذلك فهي ترحب بالوفود التي ترفع راية تحقيق التعاون الاقتصادي معها كالوفد الإماراتي برئاسة صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

زيارة الوفد الإماراتي لن تكون بالطبع سياسية وإنما ستكون بالدرجة الأولى اقتصادية لما يعرف عن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من اهتمامه الأكبر بقضايا التنمية الاقتصادية في بلده والمنطقة والعالم بأسره، لذلك حق له أن يلقب بالدبلوماسي الاقتصادي الأول.

لكن ذلك لا يعني أن الوفد الإماراتي لن تمر عليه مسألة ذات طابع سياسي كمسألة تايوان مثلاً، فلن يروق للصين بال من أي زيارة رسمية لمسؤول كبير من أية دولة ما كانت ـ كما هو الحال مع هذه الزيارة لشخصية نائب رئيس دولة الإمارات ورئيس مجلس وزرائها ـ من دون أن تسمع منه إعادة تأكيد موقف بلده من الاعتراف بوجود صين واحدة وأن تايوان ليست إلا جزءاً من الصين الأم.

بعد هذا كله يبدأ الجد والدخول في المسائل ذات الطابع الاقتصادي مع دولة لا تعد فقط واحدة من أكبر اقتصاديات دول العالم بل إنها أيضاً أكثر دول العالم صعوبة في الإقناع والحصول على ما تريده منها.

الصين دولة ذات نهج واقعي سياسي بكل معنى الكلمة، فالمصلحة هي المحرك الأساسي لسياسة الصين مع العالم الخارجي؛ بمعنى آخر إذا كانت هناك مصلحة للصين في التعامل مع طرف ما فإنها ستعمل بكل جد واقتدار من أجل تحقيق ذلك التعاون، أما إذا لم تدرك الصين بوجود مصلحة لها فإنها ستماطل كثيراً وإن كانت ستعطي الوعود بالعمل إلا أن مثل تلك الوعود ستبقى وعوداً إلى أن تحس الصين بأن هناك مصلحة قوية لها لتنفيذ تلك الوعود عندها فقط ستنفذها.

لذلك فإن المفاوضين الأجانب دائماً ما يجدون صعوبة في تحقيق ما يصبون إليه في علاقتهم مع الصين؛ فمثلاً الاستثمار في مجال التكنولوجيا والتطوير العلمي هو أكثر المجالات التي تتساهل الصين معها في توفير فرص للاستثمار على أرضها، أما المجالات الأخرى التي لا تجلب لها التكنولوجيا.

والتي من شأنها منافسة الشركات الصينية العاملة في الصين فإن الحكومة الصينية لا تتحمس لها في الغالب. بالإضافة إلى ذلك فإن دراستنا لطبيعة فكر المفاوض الصيني تأخذنا إلى حقيقة أن المفاوضين الصينيين يتسمون بطول النفس، بمعنى أن المسؤول الصيني عادة لا يتمتع بالقرار النهائي .

وإن كان يتمتع به عادة لا يظهر ذلك بل يظهر التزامه بمبدأ مشاورة مسؤوليه الأكبر منه، فشخصية المسؤول الصيني قائمة على أساس أن لا يعطي الإجابة بشكل فوري بل عليه التريث للتشاور. لذلك فالتفاوض مع المسؤولين الصينيين هي عملية ليست بسهلة وليست بالعملية التي يمكن أن تأتي بثمارها مباشرة في ليلة وضحاها.

إذا كيف يمكن لنا التعامل مع الصين؟ الصين تعلم ماذا تريد من الإمارات وهي تعمل على تحقيق ما تريده من خلال علاقتها مع الإمارات، فهي تدرك أهمية الإمارات كنقطة وصل بين البضائع والشركات الصينية ودول منطقة الشرق الأوسط؛ لذلك فلا غرابة أن نجد أن ميزان التبادل التجاري بين الإمارات والصين يميل لصالح الصين وبفارق كبير حيث لا تشكل نسبة الواردات الصينية من الإمارات سوى أقل من 13 بالمئة من مجموع حجم التبادل التجاري بين البلدين.

الإمارات بالطبع مستفيدة من جراء تلك العملية حيث أصبحت الدولة منطقة التقاء بين رجال المال والأعمال الصينيين ونظرائهم من المنطقة وأصبحت كذلك جهة جذب للاستثمارات الصينية لا سيما في قطاع العقارات لكن المستفيد الأكبر هو الصين التي تستخدم الإمارات كسوق ونقطة ترويج لمنتجاتها.

لذلك فإن زيارة صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي للصين لابد وأن تجعل نصب عينها العمل على تعزيز وتوثيق تلك العلاقة التجارية بالطريقة التي تسهم نوعاً ما في رفع تلك العلاقة إلى مستوى العلاقة الإستراتيجية التي تخدم الطرفين بشكل أساسي وليس لخدمة طرف بشكل أكبر وطرف آخر بشكل أقل كما هو حاصل اليوم.

فرص توثيق تلك العلاقة قائمة حيث يمكن للإمارات الاستثمار في قطاعات عدة واعدة في الصين كقطاع البنية التحتية وقطاع الطاقة والعمل على توفير الشروط من أجل إقامة منطقة تجارة حرة بين البلدين. لكن إقامة شراكة تجارية إستراتيجية بين البلدين يجب أن لا تتغافل الاهتمام بالنشاط في مجال الطاقة. الصين هي ثاني أكبر بلد يستهلك الطاقة في العالم .

وهي ثالث أكبر دولة مستوردة للنفط في العالم؛ في ذات الوقت فإن الإمارات واحدة من الدول الرئيسية المنتجة للنفط في العالم، لكن رغم تلك الحقائق إلا أن الإمارات ليست مصدر رئيسي للنفط إلى الصين ولا يكاد نفطنا المصدر إليها يذكر لقلته. فبين حاجة الصين للنفط وحاجتنا لإيجاد أسواق جديدة لمنتجاتنا النفطية تقع فرص إمكانية إقامة شراكة اقتصادية مع الصين لتتماشى مع الشراكة التجارية القائمة معها. الإمارات بحاجة لتنويع مصادر الجهات المستقبلة لنفطها بعيداً عن الاعتماد على جهة واحدة بعينها لما لذلك خطورة اقتصادية.

الصين فرصة سانحة لتكون مستوردا رئيسيا لنفط الإمارات، لكن المعيق أمام ذلك الأمر هو نوعية نفطنا الثقيل الذي لا يتناسب مع مصافي التكرير الموجودة في الصين.

فالاستثمار في مجال تطوير مصافي التكرير الصينية لتتناسب مع نفطنا سيكون له بالغ الأهمية في إقامة شراكة إستراتيجية قوية مع بلد يبحث اقتصاده العطش عن نحو ما لا يقل عن 5,3 ملايين برميل من النفط الأجنبي يوميا. قطاع الطاقة هو القطاع الواعد الذي يمكن لنا أن نقيم من خلاله علاقة إستراتيجية قوية مع دولة محورية في النظام الدولي كالصين.

إن الذي يجعلنا نركز على ضرورة دفع عملية الاستثمار في مجال الطاقة في الصين هو أن هذا المجال هو الوحيد الذي لا يمكن للصين أن تماطل في منحنا الأولوية في الاستثمار من خلاله.

الصين بلد ليس مرناً في قبول الاستثمارات الأجنبية وليس كل ما يستثمر فيه ذو ربحية على المستثمر وبالتالي فإن الاستثمار في مجال الطاقة يعتبر من الجوانب التكنولوجية التي غالباً ما نجد الصين لا تتوانى عن تشجيعها وهو استثمار مربح من كل الجوانب للدول المستثمرة فيه. فرجل الدبلوماسية الاقتصادية الأول سيجد خلال زيارته هذه إلى الصين الفرصة لتوثيق علاقة الإمارات مع المملكة الوسطى في ميادين تهم دولة الإمارات، فكل التوفيق له ولوفده المرافق.

جامعة الإمارات

href="mailto:binhuwaidin@hotmail.com">binhuwaidin@hotmail.com