لا تكف الحكومات العربية على اختلافها على تأكيد مناصرتها لحرية الصحافة خصوصا والإعلام عموما، لكن المثل المصري الدارج يقول«أسمع كلامك أصدقك أرى أفعالك استعجب»، فالحرية المقصودة يجب ألا تتخطى حدود المدح والإشادة، و«تلميع» القابضين على صنع القرار، وتزيين كل خطوة يخطونها باعتبارها لا يمسها الباطل من قريب أو بعيد.

نسمع من البعض الحرص على عدم قصف الأقلام أو إغلاق الصحف، لكن نواجه بالحبس في قضايا النشر مع الشغل والنفاذ، وكأن الصحافي مجرم مشبوه حتى يثبت العكس، من خلال البعد عن كل ما يعكر صفو الفساد، وتكميم الأفواه، وان يدع القافلة تمضي بكل أخطائها من دون أي انتقاد، وإذا تجرأ الصحافي فالعصا لمن عصى.

هذا بالضبط ما وقع فيه الصحافي المشاغب إبراهيم عيسى رئيس تحرير صحيفة «الدستور» المصرية، الذي بات ملاحقا في ساحات المحاكم بعد ان شق عصا الطاعة وظن ان في مقدوره ان يحصل على حرية الصراخ في وجه واقع يصر البعض على انه «زي الفل» وباعتبار انه ليس في الإمكان أبدع مما كان!

القضية بالقطع لا تخص رئيس تحرير «الدستور» بمقدار ما تشكل استهدافا لحرية الكلمة في مجتمعات تحتاج إلى تعرية كل ما هو قبيح وهو كثير، ولعل الأحوال التي نشكو منها ليل نهار خير ترجمة لواقع اليم في مواجهة لن يفلح معها دفن الرؤوس في الرمال، والعزف على أنغام تشويه الصورة وتكدير السلم العام كلما اقترب الصحافي من بؤر العفن، وحاول كشف المستور في هذه القضية أو تلك.

الصحافي ليس عدوا، يتحتم التحصن أمامه بترسانة من القوانين، وإشهار سيوف التهديد والوعيد في وجهه، باعتباره مارقا يجب ان يعود إلى رشده، وان يلزم الحدود المرسومة لدوره، وألا يتجاوز إطار كونه مجمل لصورة قبيحة، رغم ان« الماشطة» يصعب عليها تزيين الوجه المشوه والقبيح مهما حاول البعض إخفاء تلك العيوب.

حرية الصحافة ليست ترفا، بل هي مسؤولية تحتم على الصحافي ان يلهث وراءها ليل نهار باعتبارها زاده وسلاحه في معركة تغيير تمثل أملا لشعوب يأكلها الإحباط ويلتهمها اليأس، وآلاف المقاهي التي تحتضن ملايين العاطلين خير دليل.

صحافة كل شيء تمام، لم يعد لها وجود في عهد السماوات المفتوحة والفضاء الفسيح أمام تدفق المعلومات، فالتقدم التكنولوجي أتاح للناس وسائل يصعب الحد من توالدها يوما وراء الآخر، وعقلية الرقيب ولى زمانها، في عصر الانترنت، وعلى صناع القرار أن يدركوا ان استنشاق الهواء النقي لم يعد حكرا على أحد، فالعالم بات مثل قرية صغيرة، الكل بات يعلم كل ما يدور فيها، ويصعب إخفاء مثقال ذرة من المعلومات للباحثين عنها.

وبدلا من ملاحقة الصحافيين بالحبس والزنازين، وتكبيلهم بالقوانين المعطلة للحرية، ووثائق «خنق» الإعلام الفضائي على ما جرى في اجتماع وزراء الإعلام العرب الأخير، الأفضل إصلاح العيوب، والاجتهاد أكثر لخدمة الشعوب، ووقتها ربما يجد الصحافي ما يمكن ان يقلل من الصورة القاتمة التي يعكسها البعض وهي ـ للأسف ـ ترجمة لواقع مرير يصعب القفز عليه او تجاهل الأسباب التي قادت إليه.

فتح الأبواب والنوافذ أمام حرية الإعلام، المفتاح السحري لتقدم الشعوب، وليس العكس، والغرب الذي يفعل بنا الأفاعيل، أدرك هذه الحقيقة منذ سنوات طوال، فبات اليوم يمسك بزمام الأمور، وبالتالي يأمر فيسارع كثيرون إلى السمع والطاعة، خشية غضبه، أو عصيان رغباته، مهما حملت من ظلم وجور.

وإذا كنا نبحث عن خروج صادق من الوضع العربي الذي يسر عدوا ولا يفرح حبيبا، ان نطلق العنان لحرية الصحافة والإعلام، وان نحترم الرأي الآخر، باعتباره صدى لأفعالنا، وألا نخشى سماع النقد، وان تتسع الصدور للمزيد من حرية التعبير.