الأجواء المتفجرة في العراق تفيد بأن الصدر الثالث أي السيد مقتدى الصدر في طريقه للخروج من صمته، بل وربما الخروج من موقع اللاموقف الذي تميز به خلال الأشهر القليلة الماضية حيث قيل له أو افهم بطريقة أو بأخرى «بأن الصمت أحيانا هو نصف الدبلوماسية» فيما يبدو اليوم أنه مدعو للكلام أكثر من أي وقت مضى!
ثمة مؤشرات تفيد بأنه سيتكلم عن السنوات الخمس العجاف من الاحتلال وانه سيطالب برحيله بأقرب وقت ممكن لان لا شيء في العراق يمكن أن ينجح أو يتقدم ما دام الاحتلال جاثما فوق صدور العراقيين!
كما انه سيتكلم عن العملية السياسية التي جاءت مع الاحتلال والتي باتت اليوم في غرفة العناية الفائقة بإجماع العراقيين بمن فيه المبخرون لحكومة المنطقة الخضراء، وانه سيتكلم أيضاً عن فتح صفحة جديدة مع كل القوى العراقية الشريفة المناهضة للاحتلال بعدما حاول أعداء العراق والصدر والمقاومة التفريق بينهم.
وانه سيدافع بقوة عن عروبة العراق واستقلالية قراره السياسي رغم كل ما قيل ويقال عن ارتهان قراراته إقليميا لدفع الشبهات من حول هذه الحركة الفتية لكنها ذات العنفوان الاستقلالي الأصيل وأنه سيحاول قدر الإمكان إعادة اللحمة إلى تياره الحركي المتميز بعدما حاول أعداء العراق وأعداء المقاومة وخصوم الصدر السياسيون التسلل والنفوذ إلى بعض دوائره في محاولة خبيثة لتشويه هذا التيار الحر والمقاوم!
والى أن يتكلم الصدر الثالث من جديد كما يرجو ويتمنى الكثير من أتباعه وكما تدل بعض المؤشرات نتمنى للعراق الصبر والسلوان على ما يعانيه من صلف المحتل وجهنميته التي لا ترحم حتى قواه الصديقة من جهة، وما يعانيه من أعمال ومجازر إجرامية شنيعة ترتكبها القوى الظلامية والفاشية والميليشياوية بأطيافها المختلفة من جهة أخرى!
ثمة من يقول طبعا بان الصدر الثالث إذا ما لجأ إلى الكلام هذه المرة فإنما سيتكلم لأنه سيكون مضطرا للحديث بعدما بات الجنوب العراقي على فوهة بركان بسبب الأوضاع الأمنية المتردية والصراعات التي تنخره من الداخل، وان الناس هناك في طريقها إلى إشعال حركة مقاومة جديدة أو أضافية إن لم تكن انتفاضة شعبية تشبه انتفاضة الأراضي المحتلة في فلسطين!
وإذا كان الصدر الثالث قد قرر الانكفاء لبعض الوقت من اجل التزود بالعلوم، فان ذلك طبيعيا لذلك الفتى الطري العود الذي نام في إحدى أمسيات العراق الغريبة والقاسية وإذا به يفيق في اليوم التالي ليرى نفسه وقد تربع على عرش زعامة حركة جماهيرية مترامية المدى وكبيرة الحجم ومتعددة الأطراف ورثها من أبيه الشهيد.
ولم يكن قادرا أن يتحمل اكلاف قيادتها وهو بتلك الحال الطرية والرخوة، لاسيما وان حال المرجعيات التي من حوله أو ممن كانت ولا تزال تنافسه الزعامة أو السباق إما خرساء أو صامتة كما كان هو يطلق عليها أو ناطقة بالنشاز من الكلام إن لم تكن متورطة في منطق الاحتلال أو في أحسن الظن ليست في مستوى المسؤولية!
وهنا يلح عليه بعض رفاقه بالقول: اليوم يومك يا ابن الصدرين الشهيدين ويوم كل عالم شجاع وجسور، بل انه يوم العراق العالمي لاسيما ونحن نمر بالذكرى السنوية لمرور تلك السنوات الخمس العجاف على بلاد الرافدين وحضارة بين النهرين! انه يوم الكلام الكاشف والشفاف والذي لابد له أن يضع النقاط على الحروف وإلا ما فائدة لعالم لا يستفاد من علمه!
من جهة أخرى فان الأجواء في لبنان وعشية القمة العربية في دمشق تتحدث عن تحول مهم آخذ في التبلور في الوعي اللبناني المحسوب على أجواء المقاومة بشكل خاص ومعسكر المعارضة بشكل عام، فكلما مر يوم جديد على اغتيال القائد العسكري في حزب الله لبنان الحاج عماد مغنية كلما تعززت المقولة التي تقول بأن السجل المفتوح بين المقاومة مع الكيان الإسرائيلي يقترب من نهايته المحتومة، وكلما تأكدت أيضاً المقولة التي تقول بان إسرائيل ارتكبت خطيئتها الاستراتيجية الكبرى في هذه العملية، الخطيئة التي قربت عمليا يوم نهاية الدويلة الطارئة أصلا كما يقول المقاومون!
قبل أيام فقط وبمناسبة أربعينية الحاج رضوان ـ عماد مغنية ـ غنى المسيحيون، وللمرة الأولى بتاريخ لبنان والمقاومة، جنبا إلى جنب مع أشقائهم المسلمين أوبريت «الضوء المشذى» لفرقة «رسالات» والتي تقول من جملة ما تقول: ثوروا ثوروا تحت لواء السيد.... هذا نشيد محمد هذا نشيد على هذه بشائر عيسى....!
هذا في الوقت الذي نشر فيه استطلاع للرأي في بيروت يفيد أن نحو 90 بالمئة من الطائفة السنية الكريمة تعتقد بضرورة المقاومة فيما رأى 77 بالمئة من المسيحيين ذلك و66 بالمئة من الدروز و94 بالمئة من الشيعة أي ما معدله 85 بالمئة من مجموع اللبنانيين!
هذا من جهة إرادة القتال والمقاومة والوعي لدى شعب لا يزال يعاني من قسوة عدوان تموز وآثاره السلبية وجراحه التي لم تندمل بعد!
إنها الثقافة التي باتت جزءا لا يتجزأ من ثقافة أمة، أي ثقافة أن إسرائيل اعجز واوهن من أن تشن أي حرب جديدة على لبنان أو غير لبنان بعد تجربة عدوان يوليو القاسية، وكل ذلك بفضل دماء الشهداء ودم الشهيد عماد مغنية بالذات كم أكد من جديد سماحة السيد حسن نصر الله وهو يؤبن رفيق دربه الحاج رضوان!
أيا تكن صحة توقعات هذا الجمهور وأيا تكن صحة تحليلات هذا القائد الاستثنائي، إلا أن القدر المتيقن مما هو بين أيدينا هو أن المقاومة باتت ثقافة عابرة للطوائف والمذاهب والحدود الجغرافية وليست منحصرة بفئة دون أخرى من اللبنانيين البتة!
وهنا تستحضرني مقولة: بقية السيف أنمى ولدا وأكثر عددا!
وكذلك يستحضرني قول له علاقة بالحرب النفسية ضد العدو إذ يقول فيه احد الأولياء ردا على سؤال كيف كنت تنتصر على عدوك في الحروب بالقول: «كنت دائما أنا ونفسه عليه»!
وهو ما أشار إليه وتوسع في شرحه السيد حسن نصر الله في المناسبة المذكورة وهو يفصل في ما سماه بمعركة الوعي، وعي القدرة على الكفاح وإرادة المقاومة الحازمة ووعي مدى حالة الذل والهوان التي وصلت إليها قوات العدو المنهزمة داخليا.
كاتب إيراني
