«كان توفير المزيد من الأمن لإسرائيل هو الهدف الأميركي غير المعلن من شن تلك الحرب».

لا يخفى أن المتحدث يشير إلى الحرب على العراق. ولو كان هذا المتحدث شخصية سياسية عربية لقيل انه متحيز ضد الولايات المتحدة وإسرائيل معاً، وإن قوله بالتالي ضرب من الدعاية الجوفاء، لكن المتحدث هو هانز بليكس، أتذكرونه؟ كان بليكس رئيس اللجنة الدولية للتفتيش عن أسلحة دمار شامل في عراق صدام قبل أن تشن الولايات المتحدة عدوانها في مارس 2003.

في مقالة نشرت الأسبوع الماضي في صحيفة «الغارديان» اللندنية بمناسبة الذكرى الخامسة للعدوان الأميركي تحدث بليكس بذلك القدر من الصراحة والشجاعة الذي لا يتوافر إلا لدى شخصية تتمتع بأعلى درجات النزاهة، وعلى الفور وابتداءً من الجملة الاستهلالية شرع هذا المسؤول الدولي السابق في سرد الحقائق التي استخلصها بحكم علاقاته السابقة واللاحقة في الأوساط الدولية. قال الرجل: «كانت حرب العراق كارثة ألمت بالعراق والولايات المتحدة والأمم المتحدة، والحقيقة، والكرامة البشرية».

على مدى السنوات الخمس الأخيرة ظل جورج بوش مقيماً على خداعه قائلاً: إن العالم أصبح مكاناً أكثر أمناً بعد الإطاحة بصدام حسين، حقاً؟ يرد بليكس قائلاً: إنه لو لم تتم تصفية صدام حسين ونظامه لربما بقي عضواً في مجموعة الحكام الذين يقمعون ويضطهدون شعوبهم ـ وما أكثرهم في العالم الثالث ـ لكنه لم يكن ليمثل تهديداً للعالم، وكيف يكون نظام صدام مصدر تهديد للعالم بأسره أو حتى للجوار الجغرافي الإقليمي؟ وقد كان العراق ابتداء من عام 1991 وحتى وقوع الغزو الأميركي بعد 12 عاماً يئن تحت وطأة نظام عقوبات اقتصادية لم يعرف التاريخ مثيلاً لها في القسوة.

بحكم منصبه الدولي كان بليكس المرجعية الدولية المعتمدة لتقرير ما إذا كان عراق ما قبل الغزو الأميركي يمتلك أسلحة نووية أو كيماوية أو جرثومية. لكن إدارة بوش التي كانت تدق طبول الحرب على نغمة امتلاك العراق أسلحة دمار شامل لم تشأ أن تستشير تلك المرجعية الدولية قبل أن تتحرك لاتخاذ قرار شن الحرب، بل إنه روعي في تحديد توقيت الغزو أن يستبق صدوره التقرير النهائي الذي كان بليكس عاكفاً على إعداده لإبقائه على مسامع مجلس الأمن الدولي. وقد كانت خلاصة التقرير كما ظهر لاحقاً شهادة رسمية بأن العراق ليس لديه أي شيء من تلك الأسلحة الفتاكة.

سبعمائة من مفتشي الأمم المتحدة، يقول بليكس في مقالته قاموا بتفتيش 500 موقع في الأراضي العراقية دون أن يعثروا على شيء، ووقع الغزو مع ذلك، ودخلت القوات الأميركية.. وتحول الغزو إلى احتلال كامل لأراضي العراق، وهنا يقول بليكس: «لم يستطيعوا اكتشاف أسلحة دمار شامل لأنها لم تكن موجودة أصلاً»، لكنهم كانوا يعرفون هذه الحقيقة مسبقاً، إذن كان للغزو والاحتلال هدف آخر غير معلن.

وبينما سجل هانز بليكس للتاريخ أن الهدف الأميركي الحقيقي هو «توفير المزيد من الأمن لإسرائيل» فإنه لم يستطع التوسع في هذا السياق لكيلا يدمغ بتهمة «معاداة السامية»، ومع ذلك فإن إشارته المقتضبة تكفي.