لا يختلف اثنان على أن الأمن بات احتياجاً أساسياً وأوّلياً في العراق. غيابه، منذ الاحتلال، تسبّب بنزيف فاقت كلفته أية قدرة على الاحتمال. انفلات حبله كانت حصيلته تحويل البلد إلى جسم منخور، مهدّد بالتحلّل. عودته، أو على الأقل لجم انفلاته، صار الشرط الذي لا غنى عنه؛ لوضع العراق على سكّة الخلاص.

في الآونة الأخيرة تحقق، نسبياً، شيء من انحسار العنف؛ وفق ما أشارت إليه التقارير والأرقام. لكن هذه الأخيرة عاد منسوبها إلى الارتفاع. ثم جاءت عملية «صولة الفرسان»، في البصرة، التي ما زالت فصولها جارية؛ لتضع الهمّ الأمني، من جديد، أمام امتحان، مفتوح على شتى الاحتمالات.

من بينها أن تؤدي تفاعلات المواجهة وتداعياتها إلى إحداث اختلال فادح في التوازن المطلوب، بين مستلزمات ضبط الأمن؛ وبين متطلبات تعزيز العملية السياسية والتعجيل في انجازها. ففي حصول مثل هذا الخلل ضرر، بل خطر، محتوم وكبير؛له مردوداته السلبية؛ التي من شأنها مفاقمة الأمني والسياسي معاً.

المعروف أن الحالة الأمنية في البصرة خطيرة، أكثر من أي مكان آخر في العراق. النزاعات والصدامات اليومية بين الميليشيات والتنظيمات المسلحة فيها، جعلت المدينة وأهلها رهينة للعنف والنزف المتزايدين. وقد بلغ التردّي حدوده القصوى، التي بات معها التدخل أمراً ضرورياً.

على هذا الأساس علّلت الحكومة حملتها، لنزع سلاح الميليشيات، المتحكمة بالوضع. لكن المواجهة انفجرت على نطاق واسع وخطير؛ بين قوات الأمن وبين «جيش المهدي». القتلى والجرحى بالمئات. مسرح القتال بدأ يفيض عن حدود المرفأ الجنوبي، الذي كان يوماً لؤلؤة ملتقى الرافدين؛ بأمنه ورخائه.

دخلت قوات الاحتلال، الأميركية والبريطانية، على الخط.، من باب توفير الدعم الجوي للحملة. وبذلك تبدو العملية وكأنها باتت مفتوحة السقف، زمنياً. مصادر الحكومة تقول إن الحملة قد تستغرق بعض الوقت؛ لكن قرارها «بهزيمتهم» أمر لا رجعة فيه؛ من باب انه بدون ذلك، «لن تكون للحكومة سلطة هناك».

لا جدال في أن استتباب الأمن مطلب وضرورة، ملحّة وحيوية، في عراق اليوم. أيضاً لا خلاف على أن توفيره وضمانه هو واحد من أول واجبات الدولة. ومن حقها احتكار فرضه. كذلك من حقها فرض هيبة القانون والعمل على ترسيخ سلطة دولته فوق الأراضي العراقية كافة. لكن ضمان بلوغ هذه الغاية بنجاح، مرهون بأخذ معطيات ومعادلات الوضع العراقي وتعقيداته بعين الاعتبار. على رأسها أن العراق واقع تحت الاحتلال منذ خمس سنوات؛ وحتى إشعار آخر.

وبذلك فإن التسيّب الأمني هو منتج احتلالي، بالأساس. ثم ان غياب الأمن تفاقم مع غياب أي تقدم في العملية السياسية، من الصنف القابل للتطوير والبناء عليه. جمود ومراوحة هذه العملية وانسداد آفاقها، أعطت للعنف واستشراء ظاهرة الميليشيات، شحنات متتالية من الزخم والانتفاخ.

إن أحد دروس الأزمة العراقية المستعصية هو أن التعويل على الحلول الأمنية لمعالجة التدهور الأمني لا يكفي لوحده، من دون أن تواكبه حلحلة على الجبهة السياسية، يبقى، في أحسن أحواله، محفوفاً بالمجازفات ومخاطر صبّ الزيت على النار. الموازنة بين الاثنين، تضمن العبور السليم نحو الهدف المنشود.

الآن، ومع انعقاد القمة العربية في دمشق، فإن العرب مدعوون لفتح الملف العراقي بقوة لإنقاذ العراق من مصير مجهول يتم الدفع إليه من جانب قوى الاحتلال والقوى السياسية المتناحرة، وفي ذلك خطر على دول الجوار، وعلى العالم العربي بأكمله. فإنقاذ العراق إنقاذ للعرب، وهذا من واجبات قمة دمشق.