خمسة أعوام تمر على الغزو الأميركي للعراق، تتبدل فيها الأحوال وتتغير فيها السياسات. جاءت فيها أميركا للمنطقة بغطرسة أخافت الكثير من الأنظمة العربية والإقليمية المستعصية على التغيير، وبدت أميركا في نشوة انتصارها في حرب إسقاط الرئيس العراقي السابق صدام حسين وذات شهية في توسعة رغبتها في احتلال المزيد وفي اختفاء أنظمة سياسية بعينها من خريطة المنطقة.
فهي قد أخافت النظام السوري من أن عدم تعاونه في بعض من الملفات الإقليمية قد تطيح به. كما إن إسقاط النظام العراقي بحجة البحث عن أسلحة الدمار الشامل قد أخافت النظام الإيراني الذي لم يوقف برامجه في مجال السلاح النووي إلا بعد أن رأى ما فعله الأميركان بالعراق.
لقد بدا المشهد في حينه وكأن الكرة تتدحرج نحو ابتلاع الكثير من الأنظمة الشرق أوسطية، كما أن الحدث قد أخاف بعضها وأجبر بعضها الآخر على إحداث قدر صغير من التغيير، أو التكيف معه ومن ثمة إعادة إنتاجه بعد بضع سنين بنسخة جديدة لا تختلف من حيث الجوهر عن النسخة القديمة.
و بدت المنطقة حينها وكأنها ذاهبة نحو الأخذ بالنموذج الأوروبي الشرقي في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات، أو ما اعتقد حينها أن الأنظمة العربية ستتساقط واحدا تلو التالي كتساقط «أحجار الدومينو»، حتى بتنا نعتقد بأن ربيع الديمقراطية قد أزف والتي كانت ذروته في قدرة الشارع اللبناني على إسقاط حكومة كرامي في فبراير من عام 2005، وكذا قدرته على إجبار القوات السورية على الخروج من لبنان
. وبدا المشهد حينها وكأنه مقارب لمشهد ربيع براغ. إلا أنه كان ربيعا لم يدم طويلا بل إن خريفه لم ينته منذ ذلك الحين. فالقوى التقليدية اللبنانية اختطفت الحالة الشعبية الجديدة لترتيب أوضاعها وإعادة حضورها السياسي بقوة جديدة. وقوى الإصلاح الشامية نتيجة للضربات المتتالية التي تلقتها، فقدت القدرة على المبادرة، ووقف الانفتاح السياسي الليبي عند الخارج دون المرور على الداخل، كما وتعطلت أو جمدت عمليات الإصلاح السياسي الأخرى في العديد من الدول العربية الأخرى.
لقد بدا الحلم الأميركي في إقامة «أنظمة ديمقراطية» غير قابل للتحقق أو إن السياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية في المنطقة غير قابلة أو قادرة على التطويع والتغيير، وبدت الديمقراطية التي وعدت بها أميركا شعوب المنطقة أقرب إلى السراب منها إلى الحقيقة.
حتى الدولة العراقية الجديدة، التي اعتقدت الولايات المتحدة الأميركية، إنها ستكون النموذج الذي سيتمدد شمالا وجنوبا وشرقا وغربا لم تكن إلا نموذجا مخيفا. فانتشار العنف والدمار والموت وحروب الطوائف فيها، دفعت البعض للتحسر على نظام سابق ألهب الناس سياطا إلا أنهم كانوا فيه يشعرون بقدر من الطمأنينة والأمان الاجتماعي فارقهم يوم سقوطه، بل إن العراق بات يشكل نموذجا آخر لتصدير العنف لبقية أقطار المنطقة وبدا تناثر شظاياها على بقية الإقليم مخيفا.
فحروب الطوائف في عراق ما بعد صدام قد جاءت على ما تبقى من تلاحم اجتماعي فيه وفي الأقاليم المحيطة في الخليج ولبنان وغيرها. كما إن المحاربين العائدين منها يبشرون المنطقة بنموذج آخر قد يكون أشد بأسا مما سمي حينها بظاهرة الأفغان العرب.
بل إن درجة العنف التي تحدُث فيه، قد تنبئ بعواقب هائلة على المنطقة في المنظور المتوسط أو البعيد.و بدا المشهد وكأنه قد أريد به أن يكون كذلك، وهو في حقيقة أمره لم يكن كذلك،وهو في ذلك يعود لعدة من الأسباب قد يكون أهمها في التالي:
أولا: لقد ارتكبت الولايات المتحدة الأميركية منذ اليوم الأول لاحتلال العراق أخطاء استراتيجية قد يكون أهمها:
1 ـ تفكيك الدولة العراقية والتدمير الممنهج لمؤسساتها، الأمر الذي لم يضعف الدولة والمجتمع فحسب وإنما جعل منهما فريسة لقوى ومليشيات المجتمع النازعة للسلطة.
2 ـ حل الجيش العراقي الذي جعل المجتمع والدولة مكشوفين ودون سند رادع لتجاوزات تضامنياته ومليشياته المختلفة المتعطشة للسلطة.
3 ـ إقصاء السنة العراقيين عن الدولة وبالتالي إبعادهم عن العملية السياسية القائمة أو نتيجة لشعورهم «بالغبن» أو لعدم القدرة على التكيف معها. هذا الإقصاء الذي أثبت أنه يمثل السبب الرئيس في عدم استقرار واستمرار العنف في العراق إلى اليوم. فسنة العراق الذين تشكلت الدولة الحديثة في ظل سيادتهم لا يمكن لها، أي الدولة، أن تستقيم بدونهم.
4 ـ الدرجة العالية للعنف الذي مارسه الأميركيون بحق العراقيين، بشتى طوائفهم، قد خلق جرحا غائرا سيستغرق أجيالا لدمله، ويحكي فيلم المخرج الإيطالي المعروف «براين دي بالما» درجة العنف ولربما الاستباحة التي مارسها الأميركيون في عراق ما بعد صدام والذي قد يفسر في بعضه درجة العنف والعنف المضاد والدمار.
ثانيا: لقد أثبت تعامل الولايات المتحدة الأميركية مع المنطقة العربية وخصوصا في السنوات التي تلت أحداث سبتمبر عام 2001 واحتلال العراق، جهلا بإمكانيات مكوناتها الثقافية والسياسية والدينية على تحدى الولايات المتحدة الأميركية وبالتالي القدرة على إفشال سيناريوهاتها للتشكل الجديد في المنطقة.
فقوى الممانعة للترتيبات الأميركية لم تقتصر عند ما يسمى بقوى الرفض السياسي وإنما امتدت للكثير من الأنظمة العربية المعروفة في الأدبيات الغربية «بالمعتدلة» والتي رأت في الكثير من السياسات الأميركية في المنطقة قدرا من «التهور السياسي» اللا متوازن، وخصوصا أن بعضها كان تحت مرمى الضربات الإعلامية الأميركية المضادة كمصر والمملكة العربية السعودية حتى فترة متأخرة. بل إن «رعونة» الرغبة الأميركية في إحداث التغيير قد قاد لعدة من النتائج المناقضة لرغباتها الأولى.
ثالثا: بدا الاتجاه المحافظ من الجمهوريين والحاكم في الولايات المتحدة الأميركية رافضا للربط بين القضية الفلسطينية كقضية أساس في المنطقة العربية وباقي المشكلات المتعلقة بالإصلاح السياسي والاقتصادي في المنطقة العربية. وقد أثبتت أحداث المنطقة المتتالية أن القضية الفلسطينية ومسألة الدعم الأميركي المعلن واللا محدود لإسرائيل والتبرير لكل سياساتها تجاه دول الجوار والفلسطينيين، يشكل كل الموقف من الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة العربية بل في العالم الإسلامي.
كما باتت القضية الفلسطينية تمثل بالنسبة لهذه المنطقة أم المشاكل التي لا يمكن التحرك الكبير في أي اتجاه آخر دون حل لمشكلة الأم. بل أصبحت المشكلة الواجهة التي من خلالها تتم عملية التحشيد السياسي من قبل قوى وأنظمة الممانعة السياسية في المنطقة ضد ما يسمى في الداخل ببيع القضية الفلسطينية وضد الولايات المتحدة الأميركية والغرب كداعم وراع لدولة إسرائيل..
وخلاصة القول إن محاولات الولايات المتحدة الأميركية إحداث الإصلاح في المنطقة العربية، والذي قادها كما يقولون لاحتلال العراق، لم تذهب بعيدا عن كونها إصلاحات شكلية هنا أو هناك، بما في ذلك نموذجها العراقي، وهي في هذا نتاج في بعضه أو جله لسياساتها وعجز مداها عن رؤية الآخر ورغباته ومظالمه. وهي سياسات قد عمقت من حالة اللا ثقة والوثوق بها عند الشارع العربي.
كما إنها في بعضها عبرت عن حالة من التخبط والتذبذب في علاقتها بالدولة العربية. كما إن عمليات الإصلاح التي قادتها في المنطقة، لا تخرج كما يقول ستيفن هايدمان في كتابه الأخير، عن حالة من حالات تحديث الاستبداد وذلك عبر توظيف ذكي لمقولات الديمقراطية وحقوق الإنسان والشفافية.... وغيرها من المقولات المعبرة عن الحالة الديمقراطية.
كاتب بحريني