تكتسب القمة العربية العشرون التي تنطلق اليوم في دمشق أهمية خاصة، كونها تنعقد في ظل أجواء إقليمية ودولية متخمة بالصراعات والتحديات، التي خلطت أوراق الداخل بالخارج، وجعلت من أصعب الأمور على صانع القرار الفصل بين ما هو من صميم الصالح الوطني والقومي، وما هو مرتبط بمصالح وحسابات إقليمية ودولية. وضاعف من وطأة هذه التحديات شيوع حالة فريدة من الانقسام الوطني بين أبناء البلد الواحد، وتفرقهم على موالاة ومعاداة بعضهم البعض وفقاً لارتباطات خارجية.
والحال هكذا يصبح مجرد انعقاد القمة العربية في موعدها ومكانها المحددين والحفاظ على دورية القمم العربية إنجازاً، بصرف النظر عمن غاب أو اعتذر، فلكل مبرراته وظروفه، ويجب على الجميع من باب الحكمة والواقعية الانتقال من بند الخلاف الذي تزامن مع التحضير للقمة، إلى مرحلة احتوائه بدلاً من ترك تداعياته لتعمق وتكرس الانقسام، الذي لن يستفيد منه سوى أعداء الأمة العربية، وهذا درس مستفاد عبر تجارب القرن الأخير.
وتزيد من قيمة انعقاد قمة دمشق رمزيتها في بقاء شيء من الإرادة العربية القادرة على إفشال أي «فيتو» خارجي وإعطابه، وهو أمر يزيد الثقة في مكونات أمتنا، وإنها رغم ضخامة الضغوط والتحديات، والخلافات المزمنة تبقى محتفظة بمشاعر الانتماء لأمة واحدة كدافع يحسم اللغط، ويلم الشمل ويجعله مهما صغر بادرة وبداية لوحدة اكبر، فالممكن والمتاح هو خطوة على طريق تحقيق الأحلام المستحيلة، وعلى رأسها حلم الوحدة العربية.
على أن القادة العرب وممثلي بقية الدول المشاركين في قمة دمشق اليوم مطالبون بمخاطبة هذه التحديات والتعالي على الخلافات الجديد منها والقديم، وان يضعوا لبنة حقيقية في جدار توحيد المواقف ورص الصفوف. وتبني آليات محددة وعملية وفقا لجدول زمني لتنقية الأجواء العربية، وتسوية الخلافات بين سوريا الدولة المضيفة ومصر والسعودية الدولتين المحوريتين، وقبل كل شيء شق مسار فاعل ومنتج يحل الأزمة اللبنانية، ويضبط العلاقات السورية اللبنانية، لصالح الشعبين الشقيقين.
ويصب في هذا الاتجاه التصالحي إدراكنا ووعينا التاريخي بأن الخلافات ليست شيئا طارئا على امتنا، فكثيرا ما تعرضت لما هو أفدح واخطر، بفضل قدرتها على تصحيح المسار وإصلاح الأخطاء، ومثلما قال الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى فإن: «التشرذم العربي قائم قبل قمة دمشق» ونأمل ألا يدوم بعدها.
هذه الحقيقة لمسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» في بيانه الصحافي عقب وصوله إلى دمشق، وقوله «إن الظروف التي يمر بها عالمنا العربي تتطلب توحيد المواقف وتعميق التشاور للخروج برؤى وقرارات جماعية لمواجهة التحديات الخطيرة التي تواجهها أمتنا العربية في حاضرها ومستقبلها».
وزاد بإظهار اقتناعه التام بأن« أمتنا العربية على الرغم مما يواجهها من أوضاع صعبة تملك من القدرات والإمكانات ما يجعلنا قادرين إذا توافقت كلمتنا على تجاوز كل الصعاب وعلى تحقيق مصالحنا وأهدافنا المشتركة».
الخلاصة، تتمنى الجماهير والنخب العربية في كل الأقطار وهي تتابع قمة دمشق اليوم أن تخرج توصياتها بطريقة غير تقليدية، وان تخط بمداد الرغبة في التضامن، وإرادة توحيد المواقف وتنقية الأجواء، فنحن جميعا لسنا في وارد ترف الخلافات التي يمكن حلها بنوايا صادقة نابعة من الأرض العربية التي تغطيها الدماء في فلسطين والعراق، ويقف على قارعة طرقها مغامرون يطمعون في تشطيرها وتقسيمها وفقاً لمخططات جاهزة وكثيرها معلن وبعضها سري.
