قتل الإنسان جريمة... هذه مسألة مبدأ تفرضه حرية العقل والضمير. وقتل النظام الهتلري النازي لأعداد كبيرة من اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية كان جريمة. القتل «على الهوية» لا يمكن أن يكون سوى جريمة كائنا من يكون الفاعل. ومهما كانت تعيينات هوية الضحيّة اثنية أو دينية أو مذهبية أو غير ذلك.
وما يفعله الإسرائيليون حيال أبناء قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة لا يقل فظاعة في إجرامه عمّا كان قد فعله هتلر. ألم يكن نائب وزير الدفاع الإسرائيلي نفسه قد استخدم لفظة «المحرقة» حيال قطاع غزة.وهذا ما لم «تسمعه» المستشارة الألمانية. أمضت السيدة انجيلا ميركل مؤخرا ثلاثة أيام في الدولة العبرية. كانت زيارتها الأولى لها بعد شهرين من انتخابها مستشارة لألمانيا عام 2005 ثم قامت بزيارة ثانية لها عام 2007، وهذه هي زيارتها الثالثة.
إذا كانت زيارة أي مسؤول ألماني رفيع إلى إسرائيل تثير الكثير من الحديث والمشاعر، فإن زيارة انجيلا ميركل هي الأولى لمستشار ألماني تعود أصوله إلى ألمانيا الشرقية ـ الشيوعية سابقا، التي كان لها مواقف متحفظة حيال الإرث الألماني ولم يقم أحد من قادتها بزيارة لإسرائيل، بينما كانت ألمانيا الفدرالية ـ الغربية ـ قد أقامت علاقات دبلوماسية مع الدولة العبرية اعتبارا من عام 1965.
ولعلّ هذا الماضي بكل مكوناته وتناقضاته هو الذي دفع السيدة ميركل إلى أن «تبالغ» إلى حد «الإفراط» بالتأكيد على «الاتفاق في وجهات النظر» بين الطرفين ،أي الإسرائيلي والألماني. اتفاق في كل شيء إلى درجة قول السيدة المستشارة: «إن التهديدات التي ينبغي على إسرائيل مواجهتها هي أيضا تهديدات بالنسبة لنا». إنه تعاون وثيق إلى حد «التماهي» في تحديد الصديق والعدو.
صحيح أن ألمانيا هي الشريك التجاري الثاني لإسرائيل بعد الولايات المتحدة الأميركية. وكانت قد دفعت منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما ما يزيد عن 25 مليار يورو كتعويضات لورثة ضحايا «المحرقة» في إسرائيل. وصحيح أن العلاقات الألمانية ـ الإسرائيلية وثيقة جدا وأن ألمانيا قد أصبحت هي «الأقرب» للدولة العبرية في القارة الأوروبية.
هذا كله صحيح، ولكن من الصحيح أيضا أن المستشارة ميركل قد «سبقت» جميع القادة الغربيين في مضمار التودد لإسرائيل. لقد كانت في غاية الصرامة والوضوح عندما أدانت «إطلاق الصواريخ» الفلسطينية باتجاه المستعمرات الإسرائيلية.
ولكن السيدة ميركل لم تتفوه بكلمة واحدة طيلة زيارتها حول ما يقوم به الجيش الإسرائيلي من عمليات قصف وقتل في الأراضي الفلسطينية وخاصة في قطاع غزة الذي يعاني من مأساة إنسانية حقيقية، وما لا يقل فظاعة عن «الجريمة الأخلاقية»،على حدّ تعبيرها، التي اقترفها النظام النازي بحق اليهود.
مثل هذا الموقف «المتغاضي» عما يقترفه الإسرائيليون في الأراضي المحتلة لم يكن هناك ما يوازيه «بنفس الدرجة» حتى في سلوكيات المقرّبين لإسرائيل من القادة الغربيين بما في ذلك الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي يعلن أنه صديق لإسرائيل والذي حرص على التأكيد عند زيارته الأخيرة لإسرائيل على ضرورة نبذ العنف.
للتذكير فقط، كان الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتيران، الذي كان معروفا بودّه «التاريخي» لإسرائيل، قد طالب أمام الكنيست الإسرائيلي بحق الفلسطينيين بإقامة دولتهم المستقلة، وكان أول رئيس غربي يوجّه دعوة للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات للقيام بزيارة «رسمية» إلى باريس. كان يومذاك رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية.
و(سبقت) السيدة ميركل في هذا «التغاضي» عمّا يجري حيال الفلسطينيين من قبل الجيش الإسرائيلي مواقف الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش نفسه الذي وصل دعمه لإسرائيل إلى حد استخدام حق النقض - الفيتو- حيال أي قرار يشير، ولو من بعيد، إلى مسؤوليتها. بل ولم تتردد صحيفة «هاآرتز» الإسرائيلية نفسها عن توجيه الانتقاد للسيدة ميركل لتغاضيها الكامل حيال السياسة الإسرائيلية، وما تمارسه من عنف مفرط ضد الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وكان المسؤولون الغربيون بمن فيهم جورج دبليو بوش، قد حرصوا، عند زيارتهم للدولة العبرية على القيام بزيارة، ولو خاطفة، للأراضي المحتلة وللسلطة الفلسطينية. وهذا ما لم تفعله السيدة ميركل وإنما اكتفت باتصال هاتفي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس... اتصال هاتفي على سبيل «المجاملة» و«رفع العتب».
إن السيدة ميركل لم «تسبق» في «المبالغة» بالتودد لإسرائيل بقية القادة الغربيين فحسب ولكنها بدت «الأكثر تطرفا» في انحيازها لها دون أن تأخذ باعتبارها أبدا واقع المعاناة الفلسطينية . جميع القادة الألمانيين منذ المستشار كونراد اديناور الذي كان أول مستشار ألماني يزور إسرائيل عام 1966 وحتى جيرهارد شرودر، المستشار الألماني السابق للسيدة ميركل والذي كان قد عرف كيف يوازن دائما بين التأكيد على «أمن إسرائيل» وبين توجيه النقد للسياسة الإسرائيلية حيال الفلسطينيين.
لعلّ التصريح الوحيد الذي تحدثت فيه المستشارة الألمانية عن الفلسطينيين هو قولها: «إننا نعرف التهديدات التي تثقل على إسرائيل منذ 60 سنة ونحن نريد المساهمة من أجل الوصول إلى السلام في الشرق الأوسط على أساس دولتين، دولة في إسرائيل لليهود ودولة للفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية».
الجميع موافقون على هذا المبدأ... لكن ماذا حيال ما يجري على الأرض، أرض الواقع؟! قالت السيدة ميركل في إحدى جملها أمام الكنيست: «المحرقة تملؤنا، نحن الألمان، بالخجل». والإسرائيليون يتوعدون الفلسطينيين ب«محرقة». لكن «لا خجل ولا من يخجلون» ، بل «لا من يرى ولا من يسمع»
كاتب سوري
