حتى قبل أن يؤدي رئيس الوزراء الباكستاني الجديد اليمين الدستورية وصل إلى العاصمة إسلام أباد اثنان من كبار الدبلوماسيين الأميركيين لاستطلاع توجه الحكومة الائتلافية المنتخبة نحو «الحرب على الإرهاب». قبل عودة الديمقراطية والتعددية الحزبية كانت واشنطن تعتمد على الدكتاتور العسكري الفرد الذي كان يؤمر فيفعل دون أن يطرح أسئلة.

الآن اختلف الأمر مع وجود برلمان انبثق عن انتخابات حرة ونزيهة ورئيس حكومة منتخب برلمانياً، ولا شك أن الولايات المتحدة تطيرت من العهد الديمقراطي الجديد خاصة في ضوء تصريحات من قادة الائتلاف الحزبي بشأن «مراجعة» استراتيجية الحرب على الإرهاب أولاً وفتح مفاوضات مع قادة التيار الإسلامي القتالي ثانياً.

على عكس الجنرال مشرف سيطرح قادة الحكم الحزبي أسئلة على الإدارة الأميركية، وفي مقدمة هذه الأسئلة: ما هو الإرهاب على وجه التحديد والدقة؟ لقد اجتمع الوفد الأميركي المكون من المسؤول الثاني في وزارة الخارجية الأميركية جون نيغروبونتي ومساعد وزير الخارجية لشؤون جنوب آسيا ريتشارد باوتشر مع نواز شريف رئيس حزب «الرابطة الإسلامية الباكستانية» المشارك في الائتلاف الحكومي.

وبعد الاجتماع قال شريف للصحافيين: «بحثنا مسألة الإرهاب وعرضنا عليهما وجهة نظرنا بأن كل القرارات منذ 11 سبتمبر 2001 اتخذها رجل واحد بمفرده، هو الرئيس برويز مشرف»، أما الآن، أضاف شريف، فقد تغير الوضع وانتخب برلمان يتمتع بصفة تمثيلية حقيقية، ومن ثم طرح على المسؤولين الأميركيين ما يمكن أن يعتبر أول مؤشر رئيسي بشأن توجه الحكومة الجديدة. فقد قال لهما إن البرلمان سيقوم بدرس ومراجعة كل قرار اتخذه مشرف.

باسم الحرب على الإرهاب شنت الولايات المتحدة حرباً شاملة على أفغانستان بهدف القضاء على حركة طالبان. لكن في السياق وباسم مكافحة الإرهاب أيضاً استبيحت باكستان ونعلم أن قومية البشتون، كبرى القوميات الأفغانية موزعة على جانبي الحدود بين أفغانستان وباكستان.

وهي القومية التي تنتمي إليها حركة طالبان. وكان من شأن هذا الوضع أن عمدت الولايات المتحدة إلى توسيع رقعة القتال لتمتد من الأراضي الأفغانية إلى الإقليم القبلي الباكستاني عبر الخط الحدودي، ولم تكتف الولايات المتحدة بذلك من حيث زعزعة الاستقرار في باكستان، فقد ضغطت على نظام الجنرال مشرف حتى وافق على إرسال قوات باكستانية للقتال جنباً إلى جنب مع القوات الأميركية في الإقليم الحدودي، ثم ذهبت أبعد من ذلك، فقد حولت الدولة الباكستانية كلها إلى جحيم أمني.

فهرعت فرق أمنية من «مكتب التحقيقات الفيدرالي» الأميركي إلى كبرى المدن الباكستانية تمارس الاعتقال والاستجواب المصاحب بالتعذيب بكل أشكاله البدنية والنفسية. ولم يقتصر الاعتقال على ذوي الاتجاهات الإسلامية الراديكالية وقياداتهم بل شمل كل من يعتبر معارضاً للوجود الأميركي على الأراضي الباكستانية.

بإيجاز أصبحت باكستان في عهد الرعب الأميركي بلا سيادة وطنية في ظل نظام قمعي يرى أن وظيفته الوحيدة هي خدمة الأجندة الأمنية الأميركية، وفي هذا الصدد قال نواز شريف: نريد السلام في كل أرجاء العالم وفي باكستان أيضاً، لكننا لا نريد إقامة مجزرة في بلادنا بحجة إحلال السلام في بلدان أخرى.