في 26 مارس 1979،وقع الرئيس المصري أنور السادات على اتفاقيات "كامب ديفيد" مع رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت مناحيم بيجن، ووقعها الرئيس الأميركي جيمي كارتر نيابة عن أميركا التي رعت تلك المفاوضات.
وبغض النظر عن ملابسات توقيع هذه الاتفاقيات والظروف الدولية والإقليمية والعربية التي سمحت بالوصول إليها، وبالرغم من المعارضة الشديدة التي لقيتها في تلك الفترة والإجراءات التي اتخذتها غالبية الدول العربية ضد مصر، مثل قطع العلاقات معها ونقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس وتجميد عضوية مصر فيها، إلى غير ذلك من الإجراءات العقابية، فربما كانت هناك بعض الدروس التي يمكن للعرب وإسرائيل والمجتمع الدولي أن يستفيدوا منها للوصول إلى حل دائم لمشكلة الشرق الأوسط.
الدرس الأول هو أن الوصول إلى اتفاق سلام بين العرب وإسرائيل أمر ممكن إذا توفرت الإرادة الحقيقية لدى جميع الأطراف. فمن المؤكد أن الرئيس السادات كان يمتلك إرادة حقيقية للتوصل إلى اتفاق سلام، وكذلك كانت الحكومة الإسرائيلية في ذلك الوقت، مع اختلاف دوافع الطرفين. توفر هذه الإرادة كان عاملا أساسيا في تحمل الطرفين المصري والإسرائيلي مسيرة مفاوضات مضنية في كامب ديفيد وصولا إلى إبرام بنود المعاهدة.
الدرس الثاني هو الدور الإيجابي والفعال الذي يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة في أي مفاوضات سلام عربية-إسرائيلية قادمة. فليس سرا أن إدارة الرئيس كارتر مارست ضغوطا كبيرة على كل من مصر وإسرائيل لتذليل الصعوبات التي كانت تعترض سبيل المفاوضات، وكانت الضغوط متكافئة إلى حد ما، الأمر الذي سمح للطرفين قبولها والرضوخ لها.
أما الدرس الأهم فهو أن أي اتفاقية سلام قادمة يجب أن تتعامل مع لب الصراع العربي-الإسرائيلي،وهي القضية الفلسطينية بكل أبعادها الجغرافية والسياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية، وتضمن إعادة جميع الأراضي العربية المحتلة لأصحابها، وتصل إلى حل عادل تقبل به جميع الأطراف، وذلك حتى تنتقل بنود اتفاقيات السلام من مجرد حبر على ورق إلى تطبيع حقيقي تقبل به شعوب المنطقة دون إحساس بالغبن والظلم.
فرغم مرور ما يقرب على ثلاثة عقود على اتفاقيات كامب ديفيد، لا يزال الشارع المصري بعيدا تماما عن التطبيع بسبب تعاطف المصريين مع معاناة إخوانهم في فلسطين ورفضهم للممارسات والاعتداءات الوحشية التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين ودول عربية أخرى.
هذه الدروس جسدتها المبادرة العربية للسلام التي وضعت الصراع العربي ـ الإسرائيلي في إطاره الصحيح وطرحت الحلول المناسبة له، ولذلك فهي تعتبر الأساس الواقعي الأنسب لأي تحرك نحو السلام في المنطقة. لكن عدم تجاوب إسرائيل مع المبادرة، والانقسامات العربية ـ العربية التي تزداد عمقا يوما بعد يوم، جعلت المجتمع الدولي يتردد في اتخاذ أي إجراءات باتجاه تفعيل هذه المبادرة.
لذلك فإن على الحكومات العربية أن تعيد حساباتها بهدوء وبعيدا عن الحسابات الضيقة من أجل إعادة تسليط الضوء على العدو الحقيقي للعرب، وإجبار إسرائيل على التوقف عن عدوانها الذي لم يتوقف منذ ستين عاما، ولن يتوقف ما لم تجد إسرائيل موقفا عربيا موحدا يجبرها على إعادة حساباتها في المنطقة.
