قدم الرئيس الأميركي جورج بوش، مسوغات لبقاء قوات بلاده في العراق لفترة غير محددة بعزمه على مكافحة الجماعات الإرهابية وعناصر تنظيم القاعدة الذين قال إنهم متمركزون في العراق ويشكلون خطراً على مشروعه لبناء عراق جديد.
لكن هذا التصريح يخفي حقيقة أراد الرئيس الأميركي إيهامنا بها والضحك على ذقوننا هي أن احتلال العراق لم يكن بسبب نظامه السابق أو لامتلاكه أسلحة التدمير الشامل بل الرغبة الجامحة هي تحويل العراق إلى محمية أميركية يسخر مخزونها النفطي الكبير في حل المعضلة الاقتصادية والمالية التي وقعت فيها الولايات المتحدة الأميركية منذ العشرية الأخيرة والتي أدت إلى تآكل اقتصادها بفعل تراجع تحكمها في مصادر النفط العالمي الذي ارتفعت أسعاره وازداد طلب المركبات الصناعية الأميركية عليه.
لقد تخوفت الولايات المتحدة من احتمال تعرضها إلى هزة اقتصادية كبيرة تعصف بهيبتها وقوتها الدولية وربما تتفكك مستقبلا مثلما كان الحال عليه مع الاتحاد السوفييتي السابق ووجدت في احتلال دولة تمتلك مخزونا نفطيا كبيرا بمثابة حل لمشكلاتها وقطعا للطريق على روسيا التي نجحت في استرداد عافيتها والتي كانت تربطها علاقات مميزة بالنظام العراقي السابق،وهكذا سارعت القوات الأميركية إلى عزل آبار ومناطق النفط بمجرد دخولها أرض العراق ولم تسمح للقوات الدولية المشاركة الاقتراب منها.
وجرى التخطيط لحملة إعلامية كبيرة أوهمت العالم بتقديم صورة ايجابية عن طبيعة الاحتلال ودوافعه وهي نشر الديمقراطية وإقامة نظام ديمقراطي عادل يحترم حقوق الإنسان.
وعندما وجدت القوات الأميركية الشارع العراقي يطالبها بالخروج لأن مؤسساته وقادته قادرون على التسيير وحل مشكلاته طلع الرئيس الأميركي على شاشة التلفزيون ليقول للعالم إن العراق أصبح ملاذا للإرهاب ويشكل اليوم خطرا جديدا على السلم الدولي ويتعين بقاء القوات الأميركية إلى اجل غير محدد ويعني ذلك فيما يعنيه سياسيا أن العراق غرق في مستنقع جديد لن يخرج منه لعشريات قادمة مادام أن أرضه تمد الصناعة الأميركية بالنفط وبالمجان.
فلا يعقل أن تصرف الولايات المتحدة الأميركية أكثر من تريليون دولار اقتطعت من أفواه الشعب الأميركية ودافعي الضرائب على حربها في العراق من أجل عيون العراقيين وراحتهم بل تعرف حجم الفوائد والغنائم التي تجنيها من وراء المبالغ التي تصرفها على قواتها في العراق وليس على الشعب العراقي الذي تحول إلى شعب مغلوب على أمره، الاحتلال من جهة والإرهاب من جهة أخرى.
ولا نعرف لماذا كتب على هذا الشعب العربي أن يعيش الدمار والخراب مرة في عهد صدام حسين والمرة هذه في عهد جورج بوش الذي لم تعد تهمه مصلحة الشعب العراقي ومستقبله بقدر ما يهمه نفطه وخيراته، وما زاد إصراره على إبقاء قواته عجز الطبقة السياسية العراقية على مواجهة الرهانات والتحديات الداخلية نتيجة لانقساماتها وتسابقها للاستحواذ على الحكم من دون تمتعها بالخبرة السياسية والمقدرة على الإدارة.
والأخطر من ذلك كله، أن الطبقة السياسية في العراق لم تتفق على برنامج استعجالي يخرج العراق من ورطته بل راحت تكيل لنفسها الاتهامات إلى أن أصبحت تطالب بتقسيم العراق إلى دويلات وأحزاب داخلية بل وتقاسم النفط لتشارك هي الأخرى الإدارة الأميركية في عملية الاستنزاف.
مثل هذه الحقائق التي يعيشها عراق اليوم تجعل أي عربي يتحسر على وضع هذا البلد الذي مثل يوما رمزا للحضارة والتاريخ والنخوة والشهامة هكذا قالت لنا كتب التاريخ التي حدثتنا عن عظماء بغداد وبابل والموصل وها نحن نرى العراق يستنزف دما ويحتضر ولن يتحسن الوضع سواء بأيدي السياسيين العراقيين أو الأميركيين لأن إبقاء العراق على وضعه المزري الراهن وتعقيده أكثر يخدم المصلحة الأميركية ويعطيها المسوغ للبقاء،البقاء لاستنزاف أكثر للنفط مادامت المركبات الصناعية تطلب المزيد.
فحروب المستقبل سوف تتحدد على من تكون له الغلبة على أسواق النفط وربما الولايات المتحدة الأميركية حسبتها جيدا فسارعت إلى السيطرة على مراكز النفط العالمية للحفاظ على تفردها الدولي واحتواء القوى الدولية كاليابان والصين والاتحاد الأوروبي والصين ومنعها من الاستحواذ على مصادر القوة التي تشكل تهديدا للمصالح الأميركية.
فالعراق واقع ضمن مخطط رهيب لا يقدر عليه شعبه ولا قادته لأنه ببساطة مخطط يرتبط بمصير أجيال أميركية قادمة، وأميركا الرأسمالية مستعدة على ابادة العالم إذا تعلق الأمر بخبز الأميركيين ومستقبلهم،ألم يقل المفكر السياسي هوبز أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان؟ هي قاعدة تحكم توجهات الولايات المتحدة الأميركية السياسية..فيا عرب اتعظوا..
كاتب ومحلل سياسي جزائري