قلت للمُّخدِّر وزميلته بعد أن بدأ بشرح شروط إجراءات التخدير للعملية الجراحية ومخاطرها، إن المادة الرابعة قد استهوتني، فركزا انتباههما فجأة وكأن تلك المادة تمر عليهما لأول مرة، وهما اللذان يقومان بعملهما المعتاد كل يوم في مستشفى «ليهي كلنك» العريق في منطقة برلنغتون، إحدى ضواحي مدينة بوسطن الأميركية. وقبل أن يتكلما قرأت عليهما نص المادة وهي تقول ما معناه: «ان علم التخدير ليس علماً كامل الدقة، وعليه فإن المريض قد يتعرض...».
وهنا تسرد المادة سلسلة من الاحتمالات التي قد يتعرض لها المريض من ضيق بسيط في التنفس إلى تسرب ماء إلى الرئتين إلى أمراض أخرى لم أسمع بها ولم ينزل بها الله من سلطان، وأخيراً قد تؤدي عملية التخدير تلك إلى وفاة المريض»! خاطبتهما قائلاً: إذن التخدير فن وليس علماً! فوافقا على كلامي.
ثم أردفت قائلاً: إنكما بهذه الشروط المطولة تريدان أن تقولا إنكما ستبذلان ما بوسعكما لأداء تلك العملية بأفضل السبل، بيد أن تلك العملية بها مخاطر. فقالا: إن مضمون الشروط ما ذكرته. فقلت: إذن لا داعي للإطالة وتضييع وقتيكما، هاتا الورقة لأوقعها كإقرار مني بتخويلكما لذلك العمل.
والحق، أن المخدر في الطب الأميركي مجبر على توضيح تلك الشروط للمريض بشكل لا لبس فيه، وأيضاً الطبيب الذي سيقوم بعملية الجراحة لا بد له من توضيح عمليته وما سيقوم به أثناء الفحص وقبل العملية.
أما غاية تلك الإجراءات فهي ليست إنسانية وتثقيفية، كما يتراءى للقارئ لأول وهلة، بل هي من أجل حماية القائمين على العملية الجراحية من الناحية القانونية في حال رفع دعوى من المريض أو ورثته بوقوع أخطاء طبية!
إنها شروط تحصينية تعصم المستشفى والعاملين به من الدعاوى القضائية لأنه في حال كسبها، فإن التعويضات ستكون مبالغ خيالية، وذلك للتكاليف الكثيرة التي لا يتصورها العقل والتي يتحملها المريض في حال حدوث عجز على سبيل المثال. والطب في أميركا شيء عجيب وتعقيداته أكثر عجباً، أما تكاليفه فلا يقوى عليها إلا المقتدر أو الذي شاءت له الصدف ـ كحالنا ـ أن يكون مواطناً في دولة «رحمانية» ترعى أبناءها من المهد إلى اللحد.
بعد ثماني ساعات حيث عدت إلى رشدي، وبعد أربع أخرى في غرفة الإنعاش، أخبرتني الممرضة أن الطبيب قد أمر أن لا أغادر السرير مطلقاً لمدة خمسة أيام، وتلك كانت كخمس سنوات أو أكثر كثيراً، بدت لي عقارب الدقائق في ساعة الحائط المعلقة أمامي جامدة لا تتحرك، وفيها انحدر بي المقام إلى المستوى الحيواني، بل لعل الحيوان أفضل لقدرته على قضاء ضروراته الفيزيولوجية بكامل حريته، وأصبحت لتلك الضرورات قيمة لا تعادلها قيمة في الوجود. وبدأت الصورة العبثية القبيحة تكشف عن وجهها السافر.
بيد أن الصورة لم تكن كلها قاتمة وموحشة في تلك الأيام الخمسة، وإن كانت الوحدة قاتلة. ففي ضحى اليوم الرابع استمعت إلى خطاب باراك أوباما وهو يلقيه من ذلك المبنى التاريخي في مدينة فيلادلفيا، حيث تم فيه توقيع الدستور الأميركي ومن خلفه ستة من أعلام بلده ليعطي ذلك المكان وتلك الأعلام دلالات على تمسك الرجل بدستور الجمهورية كما وضع لأول مرة والذي نص على المساواة بين المواطنين، ولتكون تلك الأعلام رمزاً لتمسكه بوطنه في وجه المشككين به بزعم أن قدوته القس جيرميه رايت قد قال في إحدى خطبه «اللعنة على أميركا».
استمعت إلى تلك الخطبة ـ وأنا مستلق على السرير ـ والحق إنها كانت أشبه ما تكون بمحاضرة عن الظاهرة العرقية بأبعادها التاريخية وعلاقة البيض بالسود.
وقد استطاع أوباما بقدراته الخطابية وبقوة حجته أن يقلب الطاولة على مناوئيه وأن ينقل القضية من حدث فردي إلى قضية عامة أصبحت حديث المجتمع الأميركي، وقضية ستكون محورية في السباق الرئاسي بين مرشحي الحزبين.
ولم يتخل أوباما عن أستاذه الذي هداه النجدين، وإن انتقده في ما ذهب إليه، بل قال: «إن رايت جزء مني كما أن جدتي البيضاء جزء مني، وكلاهما جزء من أميركا التي أحبها، فهو كجدتي مسكون بتصورات خاطئة عن الآخر، حيث كانت جدتي البيضاء ـ التي كنت أحب الناس إليها ـ إذا ما رأت رجلاً أسود تعلق بتلقائية بألفاظ عنصرية كانت تؤذي مشاعري.»!
إن للبيان لسحرا، فسحر بيانه وأنا استمع إليه قد خفف من غلواء الألم والوحدة، ثم أصبح شغلي الشاغل متابعة فيض التعليقات التي صدرت على خطابه.
والحق، أن أميركا وليس أمريكا ـ «كرما لإخواننا» اللبنانيين ـ التي تقدم هنا في هذه المقالة هي عبارة عن أميركا بعيني مريض يتلقى الشفاء فيها، وبالتالي فهي ليست بحثاً علمياً رصيناً تورد فيه الأرقام وتبسط فيه الوقائع ويتم التوصل إلى الاستنتاجات تبعاً لها.
وهي أيضاً ليست العينين التي رأى بهما هذه القارة أول ما وطئت قدماه أرضها قبل ثلاثين عاماً بالتمام والكمال، إذ تلك كانت غشاوة «النظارة الماركسية بشكلها الفج» لا تسمح له برؤية الواقع الأميركي على حقيقته، بل تراه من مواقف مسبقة، سطحتها الحرب الباردة بين المعسكرين وعملية الاستقطاب التي كانت أحد متطلباتها أن «تنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»!
وتبعاً لذلك كانت الإجابات جاهزة على ظواهر هذا المجتمع الغريبة من قبيل انقسامه العرقي أو تفشي الجريمة فيه أو سطحية الإنسان الأميركي وعدم مبالاته بالشأن السياسي وعلى الأخص تلك التي تتعدى حدود دولته.
والعينان المريضتان اللتان تشاهدان أميركا حالياً أشهد أنهما أكثر عمقاً من تلك التي شاهدتا أميركا قبل ثلاثين سنة خلت، بل ربما عمقتا قناعات سابقة من منطلق المعانات الشخصية، لعل أبرزها استحالة قدرة الرأسمالية على تحقيق حلم الإنسانية في إقامة مجتمع العدالة والمساواة. ولا يمكن أن تكون ثمة ديمقراطية حقيقية في مجتمع تمزقه الطبقية وتجعل بين أفراده سدوداً منيعة لا يمكن تجاوزها بتلك البساطة التي تروج لها أيديولوجيته.
فكيف يكون المرء حراً وهو غير مؤتمن على قوته ولقمة عيشه؟ إن العدالة الاجتماعية والديمقراطية صنوان، فلا عدالة اجتماعية في ظل نظام استبدادي، ولا ديمقراطية في ظل تفاوت طبقي، ولا يمكن التضحية بإحداهما في سبيل الأخرى.
وعبادة العمل أو الإدمان عليه كأحد عناصر الثقافة الأميركية أو الرأسمالية المنحدرة من الأخلاق البروتستانتية ـ كما يذهب ماكس فيبر أحد رواد علم الاجتماع في أوائل القرن الماضي ـ فكرة زائفة، فالإنتاجية العالية للعامل الأميركي ليس مرجعها حبه للعمل وإلا لما كانت أسعد أوقاته مساء الجمعة وأتعسها مساء الأحد ـ بل مرجعها إلى نزعة الشركات في تقليص مصروفاتها والاستفادة القصوى من طاقة العامل لزيادة أرباحها.
لنتخيل حياة موظفة واحدة في وردية العمل «للموتيل الضخم» الذي أسكنه أثناء العمل، بين تلقي المكالمات وعمل الحجوزات في الكمبيوتر ومحاسبة المغادرين وغيرها، وكيف ستكون تلك الحياة حينما تذهب لأبنائها وبأي نفسية تقابلهم. إن العامل في هذا المجتمع «يعصر» إلى آخر رحيق فيه، أو ليس ذلك من مسببات توتر الإنسان في هذا المجتمع وربما أحد أسباب الجريمة فيه؟!
كاتب كويتي