تلقيت رسائل على بريدي الإلكتروني، وحدثني بعض الأصدقاء تعقيباً على المقالين السابقين المنشورين لي في «البيان» واللذين وسمتهما بـ «مقاومة بلا دماء» و«نموذجان ناصعان للمقاومة المدنية» وتداولتهما بعض المواقع الإلكترونية، ووجدت في كل ما ورد إلي اتفاقا عاما على أن استبعاد المقاومة المسلحة في زمن الاحتلال وتزكية أشكال الاحتجاج اللاعنيف هو هروب من مواجهة الواقع، وميل أو انحراف عن الواجبات الرئيسية التي تجعل الجهاد والنضال والكفاح المسلح فرض عين على كل قادر على إطلاق الرصاص كي تحرر أرضنا المحتلة.
لكن هذه التعقيبات أغفلت أمرين الأول أن حديثي عن المقاومة المدنية انصب بالأساس على مواجهة النظم الحاكمة المستبدة، كما أن استعمالها في مواجهة الاحتلال لا يعني أبدا الاستغناء عن حمل السلاح، الذي هو العمل الأساسي. أما الثاني فهو إن المعقبين أغفلوا مقالات وأبحاث ودراسات لي انحزت فيها إلى المقاومة المسلحة لمواجهة المحتلين والغزاة.
وهذا الانحياز لا يدور في فراغ، ولا ينبع من عاطفة جياشة منزوعة التعقل والتدبر والتفكير، ولا هو من قبيل الخروج على القانون، بل يدور كله في ركاب ورحاب القانون. فالمادة 4/أ 2 من اتفاقية جنيف الثالثة 1949 الخاصة بتعيين من يعتبرون أسرى حرب، والمادة 13/أ2 من اتفاقيتي جنيف الأولى والثانية في شأن تحديد المرضى والجرحى الذين يتعين احترامهم وحمايتهم، تعترفان بأفراد المقاومة النظامية.
إذ تنص على: «أفراد الميليشيا الأخرى وأفراد الوحدات المتطوعة الأخرى بما في ذلك الذين يقومون بحركات مقاومة نظامية، ويتبعون أحد أطراف النزاع، ويعملون داخل أو خارج أراضيها حتى لو كانت هذه الأراضي محتلة بشرط أن تتوفر في هذه الميليشيا أو الوحدات المتطوعة بما فيها تلك المقاومات المنظمة الشروط الآتية:
1 ـ أن تكون تحت قيادة شخص مسؤول عن مرؤوسيه.
2 ـ أن يكون لها علامة مميزة معينة، يمكن تمييزها عن بعد.
3 ـ أن تحمل أسلحتها بصورة ظاهرة.
4 ـ أن تقوم بعملياتها طبقا لقوانين وأعراف الحرب.
وقد أتت هذه المادة الرابعة على ذكر حركات المقاومة التي يحمل أفرادها صفة المحاربين بعبارتي «حركات مقاومة نظامية» و«المقاومة المنظمة» بما يعد انتصارا لوجهة نظر الدول الاستعمارية التي لم تعرف الخضوع للاحتلال الأجنبي، والتي أرادت أن تضيق الخناق على الثورات المسلحة ضد سلطات الاحتلال.
ويرى أستاذي العلامة والفقيه القانوني المرحوم عز الدين فودة أن هذه الشروط تقيد من دون شك حرية حركة قوى المقاومة، استرضاء لدول الاحتلال، وتقفز على الواقع، نظرا لأن حركات المقاومة عادة ما تعمل سرا، ودون أن يرتدي أفرادها بزة رسمية، أو يحملون شارة وعلامة مميزة، لكن رجال المقاومة والمنخرطين في حرب عصابات يظهرون بسلاحهم في لحظة القتال والمواجهة أسوة بغيرهم من جنود الجيوش النظامية.
وتلك الشروط تتعارض صراحة مع الاعتراف الدولي بالمركز القانوني لحركات المقاومة في صلب المادتين 4 و13 من اتفاقيات جنيف الثلاث، فضلا عما في هذا من خروج على القواعد العامة المستقرة في شأن نبذ الحروب الدولية، وحق الشعوب في الدفاع عن نفسها ضد القوى المعتدية، وضد خروج سلطات الاحتلال عن حدود صلاحياتها والواجبات المفروضة عليها لصالح الأراضي المحتلة وسكانها.
لكن الناس تعاملت بحكم الأمر الواقع مع المقاومة المسلحة على أنها الصدام المكشوف في لحظة المواجهة والقتال، الناجم عن قيام شخص بمفرده أو بالاشتراك مع جماعة، عن طواعية وبوازع الدفاع عن النفس والوطن في عمليات الاشتباك المسلح العدائية ضد قوات الاحتلال دون أن يكون منتميا إلى القوات المسلحة النظامية. وبهذا يخرج عن نطاق المقاومين كل من:
أ ـ الخارجين على القانون من أفراد العصابات التي تقوم بالنهب والسلب والقتل لصالحها، ولا تمثل صالح أحد أطراف النزاع المسلح السياسي والعسكري.
ب ـ أفراد الجيوش النظامية حين تدفعهم الظروف إلى التوغل في وحدات أو جماعات صغيرة داخل خطوط الأعداء أو خلفها، لإلقاء الرعب في نفوس قواته وتدمير منشآته أو نسف طرق مواصلاته، ويلبسون البزة الرسمية للقوات المسلحة، ويحاربون طبقا لقوانين الحرب.
وما عدا ذلك فإن انتفاض الناس للدفاع عن أراضيهم في مواجهة الغزاة مشمول بالحماية والمشروعية القانونية، والدليل على ذلك أن الفقرة أ/6 من المادتين 4 و13 سالفتي الذكر تنص على أنه يعتبر من المحاربين القانونيين المشمولين بحماية هذه الاتفاقية: «سكان الأراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح باختيارهم عند اقتراب العدو لمقاومة القوات الغازية دون أن يكون لديهم الوقت الكافي لتشكيل أنفسهم في وحدة نظامية مسلحة بشرط أن يحملوا السلاح بشكل واضح وأن يحترموا قوانين وتقاليد الحرب». وقد امتد الأمر إلى حالة قيام الشعب لطرد قوات الغزو والاحتلال من الأراضي التي تم احتلالها بالفعل.
ثم جاءت اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب لسنة 1949 لتقدم ما يكفل رعاية الحد الأدنى من الحماية لأفراد قوات المقاومة غير النظامية أو هبة الشعب الذي لم يسعفه الوقت لتنظيم صفوفه لصد الغزاة.
فالمادة الرابعة من هذه الاتفاقية الخاصة بحماية المدنيين، تبسط حماية هذه الاتفاقية لتشمل الأشخاص الذين لا تحميهم الاتفاقيات الثلاث الأولى، والذين ليسوا من أهالي بعض الدول المحايدة، ويجدون أنفسهم في لحظة ما وفي أي ظرف كيفما كان عند قيام حرب أو احتلال في أيدي أحد الأطراف المتحاربة أو دولة محتلة ليسوا من مواطنيها، ما يعني أن أفراد المقاومة غير النظامية هم من بين هؤلاء الذين يشملهم النص السابق بالحماية.
ويعطي القانون الدولي الاتفاقي كما تفيد اللائحة الملحقة باتفاقية لاهاي الرابعة بشأن لحرب البرية لسنة 1899 و1907 واتفاقية جنيف الرابعة كذلك إلى جانب المبادئ العامة لحقوق الإنسان، صيانة لحقوق سكان الأراضي الواقعة تحت الاحتلال، وحماية الثورة العارمة غير المنظمة ومعاملة أفرادها كأسرى حرب، حسبما تنص المادة الرابعة من اتفاقية جنيف.
ويميل فريق ذو شأن من فقهاء القانون الدولي مثل كالفو وهال وهانيس تايلور وشارل دي فيشر إلى تأييد حق سكان الأرض المحتلة في الثورة على سلطات الاحتلال، بل يقررون أن هذا «واجب» مفروض على هؤلاء بمقتضى علاقة الولاء والتبعية بينهم وبين دولتهم المحتلة.
ليس هذا فحسب بل إن القوانين العسكرية الدول الأنجلوسكسونية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا تفرض حماية ثورات الحرب War rebellions، فالمادة العاشرة من قانون الحرب البرية للقوات الأميركية تنص على أنه «ليس لمحارب الحق في أن يعلن أنه سيعامل كل من يقبض عليه ضمن القوات المسلحة لجماعات الشعب الثائر في وجه العدو معاملة الشريك في عصابة لصوص أو معاملة اللص المسلح».
وإذا كان القانون الدولي يسمح بالمقاومة المسلحة للاحتلال فإن أحدا لا يملك أبداً أن يحرم المقاومين من حمل السلاح في وجه القوات الغازية، حتى تفر مذعورة مدحورة، فتحرر الأرض ويصان العرض.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة