الاصطفاف على كل من الجانبين صار أوضح أكثر من أي وقت مضى: إسرائيل والولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية في مواجهة حركة «حماس» (وشقيقتها «الجهاد الإسلامي»). ولم يكن القادة الإسرائيليون بحاجة إلى تذكير السلطة الفلسطينية هذا الأسبوع بأن عليها أن تختار بين التفاوض مع إسرائيل أو التصالح مع حماس.. فليس متاحاً لها أن تجمع الخيارين.
التذكير الإسرائيلي تحصيل حاصل. فالسلطة الفلسطينية متورطة بالفعل في التزام مع القيادة الرسمية الإسرائيلية بمقاطعة حماس بصورة حاسمة ونهائية، إذن فالسؤال الذي يطرح هو ماذا كسب الفلسطينيون من المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي؟ وماذا يأملون أن يكسبوا بما يبرر القطيعة التامة مع تنظيم وطني نضالي تمثل قاعدته الشعبية نحو نصف الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة على أقل تقدير؟.
فور انفضاض لقاء صنعاء الفاشل بين ممثلي فتح وحماس تكلم المسؤولون الإسرائيليون ونائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ومستشارو السلطة الفلسطينية بلغة واحدة، فبعد أن قال مسؤول إسرائيلي إن التفاوض مع إسرائيل والمصالحة مع حماس لا يجتمعان، فإنه مضى إلى القول بأن لقاء صنعاء «مجرد اتصال لن يفضي إلى شيء، فلن يكون هناك اتفاق». ولعل الأهم من هذا التعقيب في حد ذاته توقيت صدوره.
فالمسؤول الإسرائيلي كان يتحدث قبل ختام محادثات صنعاء، كأنه كان يعلم سلفاً بأن وفد فتح توجه إلى العاصمة اليمنية، وهو يضمر إفشال اللقاء، وامتداداً لسياق تعقيبه وصف المسؤول الإسرائيلي سيطرة حماس في قطاع غزة بأنها «انقلاب» ـ نفس الصيغة اللفظية التي يستخدمها الرئيس الفلسطيني.
ودخل على الخط تشيني الذي تصادف وجوده في إسرائيل في زيارة رسمية، وفي مؤتمر صحافي تحدث نائب الرئيس الأميركي بلهجة الواثق المطمئن من موقف السلطة الفلسطينية، فقد استبعد بصورة قاطعة أن يوافق الرئيس أبو مازن على المصالحة مع حماس. وأشاد بالشروط التي طرحها وفد فتح في صنعاء قائلاً إن «من أبرزها العودة التامة عن سيطرة حماس على السلطة في غزة».
هكذا تتماهى رؤية السلطة الفلسطينية مع رؤية التحالف الإسرائيلي الأميركي الاستراتيجي، وصفوة القول هنا يريد التضحية بالوحدة الوطنية الفلسطينية في سبيل ضمان إسرائيلي أميركي باستمرار العملية التفاوضية آملاً أن ينتهي التفاوض إلى موافقة إسرائيلية أميركية على قيام دولة فلسطينية مستقلة مع نهاية العام الحالي، ولكن ألا يدري الرئيس الفلسطيني أن القادة الإسرائيليين سيقولون له عند نهاية المطاف التفاوضي: كيف تقوم دولة فلسطينية بدون قطاع غزة؟.
بالطبع لن يكون هذا القول نابعا من حرص إسرائيلي على قيام دولة فلسطينية كاملة، لكنه يمثل الورقة الأخيرة التي تحتفظ بها إسرائيل للتهرب من الموافقة على قيام دولة مستقلة للشعب الفلسطيني.
هكذا تستعدي إسرائيل الرئيس الفلسطيني على حركة حماس وسيطرتها على قطاع غزة لتستخدم نفس الحجة للمماطلة بشأن مطلب الدولة الفلسطينية، وهذه اللعبة الإسرائيلية لم تعد سراً.. بل قل ان شئت إنها سر مذاع، إذن يبقى سؤال ثان: هل من المعقول ان نفترض ان قيادة فتح والسلطة الفلسطينية لا يعرفان هذه اللعبة؟!