يستطيع أي متابع أو متخصص في الشأن الاقتصادي أن يلمس التقدم الكبير الذي شهدته حركة الاستثمار في اليمن خلال العام المنصرم والممتد ما بين شهر أبريل 2007م الذي احتضنت فيه العاصمة صنعاء مؤتمر استكشاف فرص الاستثمار في اليمن، وشهر مارس الجاري 2008م الذي تستضيف فيه مدينة المكلا بمحافظة حضرموت أعمال مؤتمر الاستثمار السياحي والعقاري الذي بدأ أعماله يوم أمس.

حيث يتضح هذا التقدم اللافت الذي أحرزته حركة الاستثمار من خلال أرقام وعدد المشروعات الاستثمارية التي تدفقت على اليمن خلال الأشهر الماضية، والتي تجاوزت تكلفتها التقديرية مليارين ونصف المليار دولار، فيما تصل تكلفة المشاريع المعروضة على مؤتمر الاستثمار السياحي والعقاري المنعقد بالمكلا إلى أكثر من ثلاثة مليارات دولار، فضلاً عن العديد من الفرص الاستثمارية الأخرى التي تجرى الترتيبات لإبرام العقود الخاصة بشأنها والتي يتوقع أن يصل حجم الإنفاق الاستثماري فيها إلى ما يقارب الخمسة مليارات دولار.

وبالنتيجة يتأكد تماماً أن توجهات الاستثمار في بلادنا تمضي في الاتجاه الصحيح بفضل الاهتمام والرعاية المباشرة التي يوليها فخامة الرئيس علي عبدالله صالح لعملية التنمية والاستثمار، حيث كان لمتابعة الأخ الرئيس أثرها البالغ والإيجابي في تهيئة الظروف والمناخات الملائمة لتدفق الاستثمارات إلى اليمن.

وتتعزَّز خطوات هذا المسار بتوجيه فخامة رئيس الجمهورية الجهات المعنية بتفعيل نظام النافذة الواحدة الذي يمهد الطريق لجذب المزيد من الاستثمارات الخليجية والعربية والأجنبية في مختلف الميادين والمجالات.

وعليه.. فإذا كان مؤتمر استكشاف فرص الاستثمار في اليمن الذي عُقد في العاصمة صنعاء العام الماضي قد شكل انطلاقة هامة صوب التأسيس لشراكة استثمارية حقيقية بين اليمن وأشقائها في دول مجلس التعاون الخليجي بما أتاحه ذلك المؤتمر من فرص أمام الشركات الخليجية لاكتشاف المناخات المحفزة والمشجعة على الاستثمار في هذا البلد البكر الذي ينتظره مستقبل واعد بالنماء والخير والازدهار، فإن من المنتظر أن يشكل مؤتمر الاستثمار السياحي والعقاري بالمكلا الذي يحضره عدد كبير من رجال الأعمال في اليمن والخليج نافذة جديدة تسهم في تمتين جسور الشراكة الاقتصادية - الإنمائية والاستثمارية، بين شعوب هذه المنطقة وأن ينتقل بالعلاقات بين دول المنطقة إلى آفاق رحبة من التكامل والاندماج لما من شأنه خلق تنمية متوازنة تتكفل بتحقيق النهوض الشامل لجميع دول هذا الإقليم الذي تجمعه وحدة الجغرافيا ورابطة الإخاء والجوار، والدين والمصير المشترك، وتشابك المصالح.

وهذا النوع من الشراكة الإقليمية باتت تفرضه ضرورات سياسية واقتصادية وأمنية ليس لليمن فقط بل لجميع دول الجزيرة والخليج، وبوسع رجال المال والأعمال أن يكون لهم الريادة إذا ما جعلوا من نافذة الاقتصاد والاستثمار قاعدة ارتكاز لمسارات الاندماج الكامل والمتكامل بين دول المنطقة.

وبنظرة واقعية سنجد أن التكامل الاقتصادي هو المدخل الأمثل لبناء منظومة إقليمية متماسكة قادرة على إثبات وجودها وارتياد المكانة اللائقة بها في عالم اليوم الذي تتشكل خرائطه ضمن فضاءات جغرافية وإقليمية كبيرة كمنظمة "اسيان" في جنوب آسيا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الافريقي ومجموعة "النافتا" في أمريكا وغيرها من التجمعات التي تتكتل في أطر اقتصادية على الرغم من افتقارها لأبسط مقومات التوحد، فما بالنا بدول الجزيرة والخليج التي تربطها وشائج القربى وأواصر الأخوة والرحم والدم والعقيدة والتاريخ والجغرافيا، وهي مقومات يبدو فيها الجميع كأبناء أسرة واحدة ووطن واحد.

وما تحتاجه هذه الدول ليس أكثر من التجاوب مع منطق العصر الذي تفرض تحدياته التماسك والشراكة والتكامل والاندماج بمدلوله الواسع والشامل.