استبشر المواطنون الفلسطينيون خيرا بعد الاعلان عن التوصل الى اعلان صنعاء بين حركتي «فتح» و «حماس» وتوقعوا ان تلتئم الجراح الداخلية النازفة منذ احداث غزة في حزيران الماضي وان تبدأ الحركتان تحركا على طريق المصالحة والتفاهم بعد شهور من الانقسام والحملات الكلامية المتبادلة لا سيما وان الاعلان بحد ذاته حاول ايجاد ارضية مشتركة على الرغم من صعوبة هذه المحاولة لان الشروط المسبقة التي وضعتها الحركتان للحوار كانت مستحيلة او شبه مستحيلة لكن جهود القادة اليمنيين وعلى رأسهم الرئيس علي عبد الله صالح نجحت في تضمين الاعلان كل او معظم البنود والمطالب التي تقدمت بها «حماس» و «فتح» على حد سواء.
لكن فرحة المواطنين كانت قصيرة الامد فقد اتضح ان الخلافات بشأن اعلان صنعاء تشعبت لتشمل اطرافا داخلية في فتح وبينما تقدمت حماس بتفسيرات للاعلان تتناقض مع مطالب فتح باعادة سيطرة السلطة الفلسطينية على القطاع كما كانت قبل احداث حزيران. وقيل كلام كثير حول كون الاعلان يحقق لحماس اكثر مما يحقق لفتح. وفي كل الاحوال فان الوثيقة وضعت عمليا على الرف ويبدو ان تنفيذها لم يعد واردا في ضوء المواقف المعلنة حتى الان من قبل حركتي «فتح» و «حماس» بل والفصائل الاخرى التي شاركت من قريب او بعيد في محادثات صنعاء.
واقع الحال وما يشعر به الفلسطينيون جميعا ان هذا المصير المؤسف لاعلان صنعاء كان حتميا ليس لان الحركتين الكبيرتين تنقصهما النية لمحاولة الالتقاء على نوع من التفاهم لانهاء الازمة الداخلية الفلسطينية المأساوية. بل لان الضغوط الخارجية تدفع في اتجاه المزيد من التباعد والتقاطع واقرب مثال على هذه الضغوط هو تصريح كبار المسؤولين الاسرائيليين بل وتهديدهم بأن على السلطة الفلسطينية ان تختار بين مصالحة حماس ومفاوضات السلام.
ويعني ذلك بشكل واضح ان امكانية العودة الى الحصار الشامل للاراضي الفلسطينية بضفتها وقطاعها ليست بعيدة اذا انتهت المصالحة بحكومة للوحدة الوطنية تشارك فيها حماس، فمثل هذه الحكومة والكلام للمسؤولين الاسرائيليين لن يحصل على الاعتراف الدولي بها وسيكون مصيرها - لو فرضنا جدلا انها شكلت - هو مصير حكومة حماس الاولى وحكومة الوحدة الوطنية التي شكلت بعد اتفاق مكة والحكومة المقالة الحالية في غزة برئاسة اسماعيل هنية.
هذه الضغوط الدولية، والاسرائيلية على وجه الخصوص، هي التي تحول في واقع الامر دون اي تقارب او مصالحة بين الفصيلين الفلسطينيين الكبيرين حتى لو قبلت حماس بعودة السلطة الفلسطينية وسيطرتها الكاملة على المقرات الامنية والرسمية في قطاع غزة وحتى لو قطعت علاقاتها مع سوريا وايران.
والمفارقة ان هذه الضغوط لا تستند الى اي منطق ولا تخدم قضية السلام العادل والشامل المقبول على الفلسطينيين جميعا. وتدرك اسرائيل ان مواقفها المتشددة من مسألة المصالحة الداخلية الفلسطينية لن تؤدي الا الى تكريس الوضع الراهن بكل ما فيه من توتر وعنف متبادل ومستقبل مظلم مجهول يهدد امال الفلسطينيين والاسرائيليين معا في الاستقرار والامن والتعايش السلمي.
ومع ان لكل من «فتح» و «حماس» تحفظاتها الخاصة على المصالحة الداخلية وهي تحفظات لا تتناسب مع المرحلة الدقيقة التي يمر بها الشعب الفلسطيني وقضيته وقد اثبتت الحركتان من خلال ذهابهما الى صنعاء هذه الحقيقة مع ذلك فان المواقف الخارجية هي التي تشد كلا من هذين الفصيلين الى مواقعه المتحفظة والمخرج الوحيد من هذا الجمود الداخلي هو اقتناع القوى الاجنبية بأن المصالحة الوطنية هي التي تخدم مسيرة السلام وان بقاء الوضع على ما هو عليه لن يكون الا وصفة للعنف وتكريسا لنهج التشدد والتطرف على جانبي الساحة الفلسطينية - الاسرائيلية.
