لا يختلف اثنان على ان الاشتباكات الضارية التي تدور في مدينة البصرة وضواحي بغداد، تزيد من تعقيد الوضع العراقي ومعاناة المواطنين العراقيين الذين يدفعون ثمن هذا الصراع السياسي وتواصل عمليات التفجير والاغتيالات والارهاب وانعدام الأمن والاستقرار وتدهور البنى التحتية والخدمات والمرافق العامة وازدياد نسب الفقر والبطالة واليأس لدى غالبية العراقيين.

المصالحة الوطنية التي دار الحديث طويلاً حولها ولم تجد للاسف أي ترجمة على ارض الواقع هي الضحية الاولى لما يحدث الان من اشتباكات يجهل كثير من العراقيين اسبابها كما لا يعرفون متى تتوقف وفي أي اتجاه سيتم حسمها وهل هي تندرج في اطار تصفية الحسابات والاستعداد للمرحلة المقبلة التي تتميز بالضبابية ام انها سعي لبسط الامن ولوضع حد لهيمنة الميليشيات والخارجين على القانون واستعادة زمام المبادرة بعد ان غرق العراق كله شمالا وجنوبا ووسطا في لُجّة الفوضى والفلتان الامني وغياب آفاق المصالحة الوطنية الحقيقية البعيدة عن منطق العنف والقوة والمحاصصة الطائفية والمذهبية والفساد والمكرسة لاشاعة الحريات العامة والتعددية واحترام حقوق الانسان والاحتكام الى صندوق الاقتراع لاختيار ممثلي الشعب وفق قانون انتخاب يلحظ شمولية التمثيل وعدالته ورافضا لكل اشكال التفرد والغلبة الطائفية او المذهبية او العرقية.

لن يغادر العراق ساحة الاضواء وصدارة الانباء الدولية بعد الكارثة التي لحقت به جراء الحرب غير المشروعة التي شنت عليه قبل خمس سنوات لم يعرف خلالها العراقيون الهدوء أو الأمن وتبخرت كل الوعود التي تم بذلها لهم بأنهم سينعمون بالحرية وبخيرات وثروات بلادهم وستتوفر لهم الفرص لاعادة الاعمار وتحقيق معدلات عالية من التنمية الشاملة وسيكون مستقبل أبنائهم والاجيال المقبلة واعداً..

تأتي المعارك الاخيرة كما كل وقائع السنوات الخمس التي انقضت لتبقي العراق في دائرة الموت والدماء والخراب والعنف والارهاب ولتكشف عن مدى وحجم الهشاشة التي هي عليها العملية السياسية المتعثرة كما تكشف عن الفارق الكبير بين الكلام والتصريحات والخطابات والحسابات الشخصية والطائفية والفئوية والحزبية والمذهبية وبين احلام ومفاهيم المصالحة الوطنية التي تعني عكس كل الامراض السابقة والاستعداد للارتقاء الى مستوى المسؤولية الوطنية والدينية والاخلاقية، والانخراط في حوار وطني شامل معمق ومباشر بعيدا عن الاحكام المسبقة وقراءة عميقة وجادة وحقيقية لاوضاع العراق وراهنه الصعب والالتفات الى مصالح العراق وشعبه وتقديمها على كل ارتباطات أو تحالفات خارجية وصولا الى رؤية وطنية شاملة وبمشاركة جميع المكونات السياسية والحزبية وباقي مؤسسات المجتمع المدني دون اعتماد على سياسات ومعايير اثبتت فشلها كالاقصاء والنبذ والتهميش والهيمنة واحتكار الوطنية والحقيقة.