أسواق القمم رائجة في هذه الأيام، في غير مكان، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي. فما أسهل ان تعقد قمة في هذا العصر التواصلي. وها هي أنباء الصحف في الأسبوع المنصرم تملأ السمع والبصر حول قمم ثلاث: قمة داكار الإسلامية، ثم القمة الأوروبية، فالقمة العربية التي هي الشغل الشاغل للعرب منذ بدأ الإعداد لعقدها.
ولا غرابة أن تزدهر القمم لأن المشكلات هي إلى تأزّم وتفاقم، في كل ميدان ومضمار، في السياسة والاقتصاد كما في الأمن والاجتماع. وهنا وجه المفارقة في واقعنا الراهن: فالقمم، على كثرتها، لا تبدو مجدية أو فعالة. فمنذ أوسلو ومدريد، وما تبع ذلك من قمم ومؤتمرات، كبيرة أو صغيرة، على مستوى الزعماء والرؤساء أو على مستوى المندوبين والوزراء، نجد أن الحصيلة هي تدهور الأوضاع، في غير بلد عربي، كما نجد في العراق وفي فلسطين أو لبنان.
وهكذا ثمة قمم كثيرة ولكن المشكلات هي أكثر وأخطر. والسؤال الذي يثور في الذهن هنا: وسْط هذا التعثر والفشل والإفلاس، ماذا بشأن القمة العربية: هل ستفتح أفقاً في الجدار المسدود أم ستنضم إلى سابقاتها، من حيث النتائج المتواضعة التي تسفر عنها لكي تشهد على عجز العرب وقصورهم؟!
فيما يخصني كمراقب ومعني، لست خبيراً بالقمم وكواليسها. ولست منجّماً استراتيجياً، لكي أعرف على أي مستوى سوف تُعقد القمة. ولكني كمهتم بالشأن الفكري، لا أتوقع الشيء الكثير من القمة، بما هو سائد من العقليات والأفكار.
فنحن لسنا مهيّئين فكرياً ولا خلقياً لإيجاد المخارج واجتراح الحلول للأزمات المزمنة والتحديات الجسيمة. لأننا لا نحسن التداول في ما بيننا، بصورة مثمرة وبناءة حول قضايانا الكبيرة أو المصيرية. ربما نتفق على النافل أو الهامشي من الأمور، كما أثبتت القمم العربية السابقة. والعلة، بل الآفة الكبرى أننا لا نحمل المسؤولية عن أنفسنا. بل ترانا، نلقي التبعة على الغير، ونعمل دوماً على خلق أعداء في الخارج، كما في الداخل، لكي نهرب من مواجهة المشكلات والاستحقاقات.
هذا عطب كبير وقف وراء فشل العمل العربي المشترك. ذلك أن أكثر القادة والمسؤولين عن الشأن العربي، قد وقعوا أسرى المكابرة الحضارية أو في أفخاخ العداوات الشخصية والسياسية، بقدر ما غلّبوا التهويمات الإيديولوجية والتشبيحات النضالية، كما تُمارَس العلاقة بالعقيدة والهوية والسياسة، على مطالب المهنة والعمل والإنتاج.
وهكذا فقد أهملوا الاقتصاد الذي هو عصب القوة والقاعدة الأساسية لبناء عمل مشترك أو لممارسة دور فعّال على المسرح العالمي، كما أثبتت التجربة، في أوروبا واليابان. هذا العطب هو الذي أوصلنا إلى التردّي والحضيض، بعد كل هذه القمم والمؤتمرات.
والوجه الآخر لهذه الآفة العظمى هو الوحدانية التي توهم صاحبها بأنه الأشرف والأفضل أو الأحق والأصدق، بقدر ما تدفعه إلى احتكار المشروعية وممارسة الوصاية على شؤون الأمة والقضية والعروبة، باستبعاد سواه ووضعه موضع التهمة والإدانة، الأمر الذي يقوّض أواصر التواصل ليكرّس منطق الفِرقة والانقسام. انها إرادة التأله التي تصنع الزعيم الأوحد والقائد الملهم لكي نصل إلى كل هذا التمزق والتفكك والتوحش.
ثمة عَرض ثالث لهذا الداء الخطير هو أن أكثر المؤتمرين في القمم، لم ينجحوا في إدارة بلدانهم وقيادة مجتمعاتهم، في ما يخص عناوين التحديث والتطوير أو برامج الإصلاح والتنمية، إما بسبب الاستبداد السياسي الذي يشلّ الطاقات الحيوية ويدمر مصادر القوة والمنعة، وإما بسبب العقل المركزي البيروقراطي الذي يستخدم نماذج مستهلكة أو بائدة في الإدارة والتسيير أو في التقدير والتدبير؛ ناهيك بأعمال الهدر والنهب والفساد.
ومن لا ينجح في إدارة بلده يصعب أن ينجح في إدارة حوار ناجح مع سواه. هذه آفات وأعطال تعطّل لغة التداول وتنسف إمكانية التحاور والتباحث والتبادل: فكيف تنجح أعمال القمة، إذا كان القائد العربي يتصرف كزعيم أوحد، أو يستعدي شريحة واسعة من مجتمعه، أو يضرب بعرض الحائط ميثاق الجامعة العربية، أو يسهم في تأزيم الأوضاع على الساحة العربية، فكيف إذا كان يفشل في إدارة بلده ولا يعترف بخطئه؟!
من هنا وجدنا أن الذين يجتمعون لدرس المشكلات يسهمون في تأزيمها، بدلاً من أن يعملوا على تعزيز قيم التضامن أو توسيع أطر التعاون. هذا ما تشهد به الخطابات السياسية، حيث العملة الرائجة ليس تبادل الخبرات والمنافع، بل تبادل التهم والشتائم لإنتاج المزيد من المآزق والكوارث.
هذه هي اللغة السائدة: التنابذ والشتائم، كما يحصل بنوع خاص في لبنان، حيث الخطب النارية التي نسمعها من على المنصّات تحكم حكماً مبرماً على الآخر بالإقصاء والإلغاء، بوضعه تحت خانة الخيانة والعمالة. ومن المفارقات في هذا الخصوص ان مصير القمّة، وليس فقط مستواها أو نتائجها، بات متوقفاً على حلحلة المشكلات في لبنان.
مما يعني أن استضعاف هذا البلد أو اللعب بأوراقه، باتت له أثمانه الباهظة، لأن ذلك يعقد المشكلات ولا يحلها. مرة أخرى إن أوروبا تقدم درساً وعبرة للعرب في مجال العمل المشترك. إذ هي بعد صراعات دامية انتهت بحربين عالميتين طاحنتين، قد ثابت إلى رشدها لكي تدير شؤونها بمفردات الحوار والمباحثة والشراكة والمبادلة، فكان أن تحولت إلى مساحة تداولية، سوقاً وتجارة وبرلماناً وعملة..
وهي عادت إلى عقلها، ليست بسبب الرجوع إلى ديكارت وكنط وسائر العقلانيين، بل أولاً بسبب الحجم الهائل للدمار والهلاك، وثانياً بفضل الوعي بالمصالح المشتركة أو المصير المشترك، سيما بعد بروز الولايات المتحدة وتفوقها، مع بقية القوى العظمى والدول الفاعلة على الساحة الكونية كالاتحاد السوفييتي والصين واليابان. بالطبع لقد عاد الأوروبيون، بعد وقف الحروب، إلى فلاسفة الأنوار لكي يبحثوا عن المبادئ والصيَغ التي تساهم في بناء عالم مشترك ذي طابع سلمي مدني، تبادلي.
ومغزى المثال أنه إذا كانت المصالح أو حتى المخاوف تجمع شعوباً تختلف باللغة والعرق، فكيف تتفرق وتتنازع بل تتحارب شعوب أو بلدان أو قوى تجمعها لغة واحدة، كالعرب، فيما اللغة هي بيت الكينونة، ومستودع التراث، ومبنى الثقافة، وعلامة الهوية؟! العلة تكمن في العقول المفخخة والنفوس الموتورة والهويات العنصرية، كما تكمن في الأفكار المستهلكة والدعوات المستحيلة والأنظمة الفاسدة؛ مما يعني ان نجاح القمم يحتاج إلى عدة فكرية جديدة، وإلى استراتيجية جديدة في العمل المشترك.
وما أراه، أو اقترحه، على سبيل المداولة، أمام الرأي العام، هو أنه لكي ننجح، سواء في مؤتمراتنا، أو في مشاريعنا، أول ما نحتاج إليه، هو نقد الذات، لأن ورم الأنا وتألهها ووحدانيتها، هو الداء والعلّة. نقد الذات ليس على سبيل التثبيط أو التجريح، بل من أجل اجتراح الإمكانات وتطوير الوسائل والأدوات.
نعم يحتاج الواحد إلى التخلي عن بعض قناعاته، على نحو تنكسر معه نرجسيته ويتزحزح عن مركزيته، من أجل خلق مساحة مشتركة تتيح للمباحثات حول المشكلات العالقة أو المسائل الطارئة أن تكون فعالة ومجدية.
فالمنطق الأحادي لم يعد يجدي في فهم المجريات وفي إدارة القضايا والمصالح والهويات. الأجدى هو النظر بعقل مركب إلى الواقع بكل جوانبه ومستوياته وخطوطه، والنظر إلى المجتمع ببعده المتعدد بقواه وفئاته ومشروعياته. وذلك يقتضي التعامل مع الآخر والمختلف بمنهج وسطي، وعلى النحو الذي يؤدي إلى خلق وسطٍ للتفاهم أو مكانٍ للتبادل.
ومن مفاعيل نقد الذات الاعتراف بالآخر، بمعنى الكف عن التعامل معه كضد أو عدو ينبغي اتهامه أو استبعاده أو محاربته، للتعامل معه كشريك في البناء لا فكاك منه. والوجه الآخر للاعتراف هو الاعتذار. نعم اعتذار الساسة والقادة من الأجيال الجديدة، التي بتنا نخشى على مستقبلها من أنفسنا، أي من أفكارنا وشرائعنا وأنظمتنا وأحزابنا، إذ هي مصدر ما نعاني منه من اضطراب وخراب.
وإلا كيف نفهم انه بعد كل هذه الوصاية والممانعة، نرى الوجود والمصالح والحقوق مهددة، وبعد كل هذا الكلام على الوحدة والتوحيد نحصد الفرقة والشرذمة، ويتصاعد العنف وصولاً إلى الفتن المذهبية والحروب الأهلية.
لنعترف ونعتذر. ما نحتاج إليه أيضاً نموذج جديد في العمل الوطني والسياسي. بحيث نقتنع بالتخلي عن تصدير العقيدة والثورة. هذه عملة دفعت ثمنها الشعوب تكاليف باهظة، فقراً واستبداداً أو هدراً وفساداً أو عنفاً وإرهاباً مدمراً، كما أثبتت تجارب الإيديولوجيات الكفاحية وحركات التحرر الثورية. والشواهد صارخة سيما في العالم العربي.
فحيث تسلم الحكم صاحب إيديولوجية قومية أو اشتراكية أو دينية، كان الحصاد الفشل والتراجع. ومن حسن حظ دول الخليج، التي هي استثناء من حيث قلة سكانها، وفيض مواردها، ان لم يتسلم السلطة فيها قومي أو إسلامي أو يساري، وإلا كان نصيبها هدر الثروات وخراب العمران والممتلكات، فضلاً عن خراب المعنى وتدمير كل ما يجري الدفاع عنه من القضايا والعناوين.
ولذا فما تحتاج إليه بلداننا هو كسر صورة الزعيم الأوحد الذي يختزل أمّةً بكاملها أو بلداً بأسره. هذه أيضاً عملة كانت نتائجها كارثية على المجتمعات العربية، وحيث طُبقت في غير بلد. باختصار لم نعد نحتاج إلى قادة ملهمين أو معصومين يسبغون على سياساتهم وأعمالهم البشرية صفات إلهية. لأن من يدعي ذلك، يخطئ، ولكنه لا يعترف بأخطائه، بل يتستر عليها، لتفعل فعلها بصورة مضاعفة.
ومؤدّى مثل هذا التشخيص للمشكلة هو تغيير مفهومنا للسياسة وممارستها: فما نحتاج إليه هو ساسة محترفون يشتغلون بتحريك كل القطاعات والفعاليات لكي تلعب دورها في أعمال النهوض والإصلاح والتنمية، بقدر ما يهتمّون، بالدرجة الأولى، ببناء مجتمعاتهم والعمل على تحسين ظروف الحياة وشروط العيش لشعوبهم، من غير ما مصادرات أو تهويمات من أي نوع كان.
ومن المفارقات هنا أن دعاة العمل القومي، من ثوريين ومنظّرين، هم الذين أسهموا في تدمير فكرة الوحدة، في حين أن من يسهم بها الآن من غير ادّعاء أو تنظير، هم المنتجون والمبدعون في جميع الحقول والأنشطة، في الفيلم والأغنية، أو الكتاب والمعرض، كما في القناة والشاشة، أو السلعة والخدمة... وفي مختلف وجوه الإنتاج والإبداع.
والتغير في ممارسة السياسة وجهه الآخر التغيّر في مفهوم العمل العربي المشترك. فما نحتاج إليه هو فاعل عربي جديد يُتقن لغة العصر، بقدر ما يهتم بتجديد الفكرة العربية وتطوير جامعاتها ومؤسساتها وأطرها وآليات عملها. ومن هذا شأنه يفكّر بمنطق الخَلْق والتجدّد والتحول، بقدر ما يعمل بقواعد المداولة والشراكة والمبادلة. فمن يتشبّث بقناعاته وثوابته المعيقة، ولا يحسن أن يبدع ويخلق، لكي يسهم في صناعة العالم، سوف تهمشه المتغيرات.
طبعاً لا ينبغي التعميم. فوسط الصورة القاتمة، هناك سياسيون في العالم العربي، يتصرفون من منطلق حمل المسؤولية الجسيمة عن البلاد والعباد، ممن لا يخشون شعوبهم بل يخشون أنفسهم، ولا يخشون المعارضة بل يفيدون من نقدها، بقدر ما ينخرطون في أعمال النقد للذات على سبيل المراجعة والمحاسبة، من أجل تفكيك المشكلات وخلق الفرص لتحسين الأحوال. ونقد الذات يصدر عن إحساس بالتواضع الوجودي بقدر ما يجسّد التقى الفكري. وهذا أحوج ما يحتاج إليه العرب الآن.
خلاصة القول، وفيما يتعدى القمة إلى ما يصنعها، أعود إلى المجتمعات العربية، التي هي الآن ليست على ما يرام في أحوالها، إذ هي ميتة سياسياً، مفككة اجتماعياً، كسولة ثقافياً، متخلفة حضارياً، غير منتجة لما تشارك به في صناعة العالم. هذا ما جعل مؤتمرات القمة مجرّد ديكور أو واجهة أو ضوضاء تعكس أو تحجب ما هم عليه العرب الآن مجتمعين، من حيث العجز وضآلة الحجم والدور على المسرح العالمي. ومن المفارقات، مرة ثالثة، ان العرب يملكون غنى في المعطيات وفيضاً في الموارد، مقابل نقص مريع في الأفكار الخصبة الخلاّقة والخارقة.
ولذا، لن تكون القمة العربية فعالة أو مجدية أو ناجحة، ما لم يعمد الساسة والقادة، إلى إحداث تغيير في الوجهة والرؤية أو في المنهج والطريقة أو في الأداة والوسيلة، لابتكار الجديد والفعال أو الراهن من الأطر والصيغ والمعايير والأساليب التي سوف تكون ثمرة الجهود الخلاقة للمجتمعات العربية.
بالطبع عندما تعرف هذه المجتمعات كيف تنطلق بديناميكيتها الفكرية وتستطيع ان تمارس حيويتها السياسية، لكي تستعيد زمام المبادرة التاريخية وتنخرط في ورشة العمل الحضاري، بالاختراع أو الإبداع في هذا الوجه أو ذاك من وجوه النشاط البشري.
كاتب لبناني