حدث ما توقعناه من التدخل الأميركي الإسرائيلي السافر على خطوط العلاقات الفلسطينية، لتكريس الانقسام الوطني وإجهاض المبادرة اليمنية، وهو ما يحدث على الساحة العراقية واللبنانية والصومالية، بل وليس خافيا على الرأي العام العربي ما تقومان به من وقيعة وضغوط على العلاقات العربية لمنع التئام الصف العربي على مستوى الرؤساء، وعلى العلاقات الإسلامية لمنع التضامن العربي الإسلامي على مستوى السفراء.
فبينما كان الرئيس اليمني «على عبد الله صالح» يهنئ الشعب الفلسطيني بتوقيع فتح وحماس على «إعلان صنعاء» الذي يضع المبادرة اليمنية ببنودها السبعة إطارا لاستئناف الحوار (المقطوع) بينهما لاستعادة وحدة الشعب والأرض والسلطة.. واقفا بين عزام الأحمد رئيس كتلة فتح في المجلس التشريعي الفلسطيني (المنتخب والمجمد)، وموسى أبو مرزوق نائب رئيس حركة حماس ( المنتخبة والمقالة).
كان «ديك تشيني» زعيم المحافظين الأميركيان الجدد و داعية الحروب الأميركية الفاشلة ضد البلاد العربية والإسلامية بدوافع صهيونية ونفطية، يقف مع الرئيس «محمود عباس» في «رام الله» منزعجا من المصالحة ومحرضا على الانقسام، وفى «القدس المحتلة» مع أولمرت قائلا باسم السلطة: «إن أي مصالحة بين فتح وحماس مشروطة بتخلي حماس عن السلطة في غزة»!
والأدهى هو إعلان الأميركيين لحس التزامهم بقيام الدولة الفلسطينية في 2008 كما أعلن رئيسهم في «أنابوليس»، ومن بعده الإعلان الفلسطيني عن أن اجتماع «الرئيس» مع تشيني قطع اتصاله مع ممثله في صنعاء، لذا لم يأذن لعزام الأحمد بالتوقيع !
فيما نقلت «فرانس برس» عن مسئول إسرائيلي قوله «على عباس أن يختار إما التفاوض مع تل أبيب أو المصالحة مع حماس، لأنه لن يحصل على الاثنين معا»، كما نقلت الإذاعة الإسرائيلية عن مسئول عسكري قوله «لن يتم الاتفاق، لأنه إذا أراد عباس الاستمرار في معسكر السلام فلا يمكنه الشراكة مع حماس» .
الموقف الصهيو أميركي إذاً هو ضد التضامن العربي ومع تكريس الانقسام، وضد الوحدة الوطنية وضد الشراكة الديمقراطية وضد أي مقاومة وطنية أو إسلامية ضد الاحتلال باعتبارها إرهابا، وهم مع الاحتلال والعدوان على العرب والمسلمين في العراق والصومال وأفغانستان وفلسطين باعتبارهم إرهابيين.
وهكذا عيني عينك بكل سفور وفجور، وليرى من كانت له عينان وليسمع من كانت له أذنان هذا هو الموقف الأميركي الذي يصادقه بعض العرب وهذا الإسرائيلي الذي يسالمه بعض العرب وربما يعرف تلاميذ المدارس الابتدائية قبل بعض الساسة العرب، أن الاستعمار القديم الانجليزي والفرنسي وليست الشعوب العربية هو من قسم الأمة قوميا إلى عربية وتركية وفارسية.
وهو نفسه من شطَر الوطن العربي في «سايكس بيكو» الأولى إلى أشطار أو أقطار ـ لا فرق ـ بعد الحرب العالمية الأولى، توزيعا لمناطق النفوذ بينهما على الأرض العربية، وأن هذا الاستعمار القديم، هو الذي وعد بغير شرعية بإقامة «وطن قومي يهودي» في ظل الاحتلال على حساب الشعب العربي المسلم والمسيحي في فلسطين، وهو الذي نفذ وعده لمن لا يستحق بالقوة لا بالحق بإقامة «الدولة العبرية» بمساعدة الوريث الأميركي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية، لتكون أكبر قاعدة عسكرية لهذا التحالف الاستعماري الغربي في الشرق.
الاستعمار الجديد ممثلا في الاحتلال الصهيوني لفلسطين والاحتلال الأميركي للعراق هو الذي يسعى لتقسيم المقسم وتجزيء المجزأ من أشطار أو أقطار الوطن العربي بالمشروع الصهيو أميركي «للشرق الأوسط الكبير» بالانقسامات والحروب الأهلية، وأن انشغال القوى الوطنية بنفسها عن عدوها هي الغفلة الفاصلة، ومسالمة الأعداء ومعاداة الأشقاء هي المصيبة القاتلة، وتقبيل الأعداء والنفور من مصافحة الأشقاء يحتاج لوصف آخر لهذا الانقلاب في طبيعة الأشياء.!