نجحت حركة حماس في اختراق السلطة الفلسطينية وحركة فتح بالحديد في مفاوضاتها في صنعاء.. وحققت حركة حماس انجازات سياسية لم تكن تخطر على بالها عندما ارسلت وفدها التفاوضي برئاسة موسى ابو مرزوق ليبحث المبادرة اليمنية مع وفد منظمة التحرير برئاسة صالح رأفت وعضوية عزام الأحمد رئيس الكتلة البرلمانية لحركة فتح وقيس عبد الكريم عن الجبهة الديمقراطية.
منذ البدء اصرت حماس على ان المبادرة اليمنية هي اطار للتفاوض وأن التفاوض مع فتح وليس مع منظمة التحرير رغم ان القيادة اليمنية صاغت بنود المبادرة بناء على اقتراحات وضعها الرئيس الفلسطيني محمود عباس وخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اثناء زيارة كل منهما لليمن. وكانت بنود المبادرة جاهزة للتنفيذ وليس للحوار والنقاش مجددا.
ولعل اصرار حماس على ان المشكلة بين فتح وحماس فقط همش وجود عضوي المنظمة في الوفد المرسل من رام الله، وكان الوفد اعرب قبل توجهه الى صنعاء عن مخاوفه من ان تعمد فتح الى بيعه والتخلي عنه اثناء المفاوضات لكنه تلقى تأكيدات من الرئيس الفلسطيني بعكس ذلك، إلا ان عزام الأحمد عمليا تخلى عن الوفد وصار يفاوض باسم فتح فقط، ولذلك غادر صالح رأفت صنعاء يوم الجمعة وظل قيس عبد الكريم ملازما فندقه دون ان يستشار من الأحمد.
وعمليا فإن حركة حماس نجحت في اجتياح ممثل فتح وجعلته يوافق على اضافات وديباجة جديدة نسفت المبادرة من الأساس ووجهتها الوجهة التي تريدها حركة حماس. فقد ورد في مقدمة البيان المتفق عليه أن المبادرة إطار للحوار وليس للتنفيذ كما كان سابقا أو للعمل.. فانتقل الحديث من تنفيذ بنود المبادرة الى الحوار حولها وكأن ما سبق الموافقة عليه من قبل الطرفين عندما توجها الى صنعاء صار موضع نقاش وليس موضع اتفاق.
وهذا بالضبط ما أرادته حماس حتى لا تلزم نفسها بأي تنفيذ فوري لبنود المبادرة. وقد نجحت حماس أيضا في التدخل في بنود المبادرة فيما يخص التراجع عن انقلابها وعودة الوضع في غزة الى ما كان عليه قبل الانقلاب وشطبت كلمة انقلاب بل وشطبت غزة لتكون الصيغة عودة الوضع في الأراضي الفلسطينية إلى ما كانت عليه قبل أحداث غزة.
وهذا فيه اعتراف ضمني من ممثل فتح بأن الرئاسة الفلسطينية انقلبت أيضا وأن كل ما اتخذته من قرارات ومراسيم يصبح لاغيا بما في ذلك حل حكومة الوحدة الوطنية وتشكيل حكومة جديدة، بمعنى آخر فإن السلطة الفلسطينية في الضفة أيضا مارست انقلابا هي الأخرى ويجب إعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقا.
وهذا عمليا مكسب سياسي لحركة حماس لم تكن تحلم به من قبل، فقد حققت حركة حماس ثلاث نقاط في مرمى فتح ،الأولى عزل منظمة التحرير وهي الإطار الذي حاول الرئيس محمود عباس حشده في مواجهة حماس، والثانية تحويل المبادرة من إطار للتنفيذ إلى إطار للحوار، والثالثة اعتراف السلطة بأنها انقلبت أيضا على الشرعية التي كانت قبل أحداث غزة.
ومثل هذا الوضع أدى إلى ظهور معارضة فورية داخل السلطة وفتح للاتفاق لأن عزام الأحمد ذهب بعيدا في مفاوضاته المنفردة وبرر عدم مشاورته الرئيس بأن السلطات اليمنية فرضت على الوفدين عزلة (خليوية) أي سحبت الهواتف النقالة منهم. فيما أن وفد حماس اقتطع الوقت الضروري له منذ الخميس للتشاور مع قيادته وأرجأ المفاوضات حتى السبت فكيف لا يستطيع مفاوض العودة الى قيادته ويوقع؟
وهذا أدى إلى هزة في صفوف حركة فتح التي لم تكد تصحو من هزة العثور على شحنة من الهواتف الخليوية في سيارة رئيس السلطة السابق ورئيس المجلس التشريعي روحي فتوح، ولم يكن بالإمكان إقناع أحد بعدم معرفة فتوح بما يفعله سائقه علما بأن ريع الجمارك يذهب الى خزينة السلطة وهذا يشير الى ترهل كبير أصاب قيادة فتح وجعل أحد مسؤوليها يوقع اتفاقا منفردا.
ويقال ان انشغال الرئيس الفلسطيني باستقبال نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني أدى الى استحالة مشاورته، لكن هذا عذر أقبح من ذنب، فالرئاسة أصدرت بيانا فوريا يؤكد أن المبادرة للتنفيذ وليست للحوار.
وهذا يعني عدم رضاها عما جرى التوقيع عليه. وبالتالي فإن هذه الملابسات والإضافات على المبادرة اليمنية هي التي ستحيلها الى مجرد أوراق غير قابلة للتنفيذ، لأن الهدف منذ البدء كان بحث آلية تنفيذ بنود المبادرة اليمنية.
لكن ما حدث عمليا هو إعادة فتح المبادرة للنقاش مجددا وهذا يهدد بإغلاقها عمليا لاستحالة تنفيذها بين أخذ ورد بين الجانبين، لكن في المحصلة النهائية تبدو الكرة الآن في ملعب فتح وليس حماس، لأن حماس تستطيع أن تعلن إنها ملتزمة بما اتفقت عليه وتريد الحوار حوله وفقا لما تم التوقيع عليه. وهي بذلك يمكنها أن تخرج من عزلتها العربية على الأقل برافعة اسمها اتفاق صنعاء.
رئيس تحرير « الحياة» ـ فلسطين