قيمة «الروبية» في باكستان تتدهور بانتظام. معدلات التدهور المتصل تنعكس سلباً على القوة الشرائية للرواتب والأجور.. وبذلك أيضا يتدهور المستوى المعيشي لعشرات الملايين من ذوي الدخول المحدودة.
ومع المزيد تلو المزيد من البؤس المعيشي ينشأ التذمر الشعبي كمقدمة لاحتجاجات جماهيرية متصاعدة في الشارع، وكانت هذه هي الصورة الغالبة في باكستان خلال الحكم الحزبي الديمقراطي في الثمانينات والتسعينات.
وكانت أيضا الصورة الغالبة طوال عهد الدكتاتورية العسكرية بقيادة الجنرال مشرف التي أطاحت بالحكم الحزبي، فهل من المنتظر أن تتغير الصورة بعد أن عادت الآن التعددية الحزبية وصعد إلى السلطة مرة أخرى ائتلاف حزبي بناء على انتخابات برلمانية حرة؟.
بطبيعة الحال لن يتغير الوضع بصورة جذرية وشاملة ما لم يتم إزالة الأسباب.. بمعنى أن يتوقف تدهور قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الحرة فيتوقف بالتالي هبوط القوة الشرائية لدى أصحاب الدخول المحدودة وتستقر الأسعار في السوق الاستهلاكية بعد أن تتم السيطرة على الانفلات التضخمي المفضي إلى تصاعد معدلات الغلاء، لكن السؤال هو كيف يمكن حدوث كل هذا؟.
لن يحدث أي تغيير من هذا القبيل طالما بقي الاقتصاد الوطني الباكستاني رهينة لمديونية خارجية أسطورية تبلغ عشرات المليارات من الدولارات، وثبات قيمة أي عملة وطنية في أي دولة يعتمد على ما لدى الدولة من أرصدة بالنقد الأجنبي تكون غطاء لطباعة الأوراق النقدية.
ومشكلة باكستان المزمنة على مدى العقود الثلاثة الأخيرة تتمثل في أن الدولة ليس لديها في أي وقت رصيد بالعملات الأجنبية، لماذا؟ ليس لأن باكستان فقيرة إلى هذا المدى المريع ولكن لأن كل أو جل ما تحصل عليه من النقد الأجنبي من مبيعات الصادرات السنوية يذهب لصالح دائنين خارجيين من مؤسسات مالية دولية أو بنوك تجارية معظمها أميركية.
فلا يبقى لدى الحكومة الباكستانية في أي وقت رصيد كاف لغطاء الروبية أولا ولتمويل الواردات الضرورية ـ وفي مقدمتها سلع غذائية أساسية ومدخلات إنتاج زراعي ـ من ناحية ثانية، وبذلك ينشأ الغلاء من منبعين: تدهور القوة الشرائية للروبية ولأصحاب الرواتب والأجور.. ونشوء ظاهرة ندرة سلعية في السوق المحلية تفرز سوقاً سوداء لا يستفيد منها سوى القلة من الأثرياء، هنا يبرز السؤال الثاني: هل لدى الحكومة الحزبية الجديدة خطة جادة لمواجهة مشكلة المديونية الخارجية؟.
مثل هذه الخطة ينبغي أن تكون مبنية على إرادة سياسية قوية سواء في عهد مشرف وما قبله أو في عهد الحكم الحزبي الجديد فإن باكستان تعتبر نفسها حليفا استراتيجيا للولايات المتحدة. وما ينبغي على الحكومة الحزبية الجديدة أن تفعله هو مطالبة الولايات المتحدة بأن تسدد جملة المديونية الخارجية الباكستانية أو الجزء الأعظم منها، ومثل هذه الخطوة تتطلب إرادة استقلالية قوية لمواجهة القوة العظمى.. وإلا فما هو معنى وجدوى علاقة التحالف الاستراتيجي؟.
أم هل تتلكأ الحكومة الجديدة حتى تتفجر المشاعر الشعبية في الشارع فينشأ مرة أخرى ظرف ملائم لانقضاض المؤسسة العسكرية على السلطة؟.