ما من مرة كان المشهد العربي على هذه الصورة الكالحة. قمة عربية مأزوم انعقادها، على نحو غير مسبوق. ووضع «مشتت»، كما وصفه الأمين العام عمرو موسى، يبعث على القلق والتخوف؛ أكثر من أي وقت مضى.. القمة، التي تحولت إلى مؤسسة دورية، يتم تشريح أزمات المنطقة فوق طاولتها.
صارت هي في أزمة، بحاجة إلى تشريح ومعالجة. ثم إنها تبلغ هذه الحالة من غياب الإجماع في المشاركة، ناهيك عن خفض التمثيل وعن تقليص المداولات، في وقت لم يسبق أن شهد الشرق الأوسط مثيلاً له، من حيث كمية ونوعية التهديدات والتحديات، التي يواجهها والمفتوحة على الأخطر والأدهى.
مفارقة صارخة، بدرجة تنافرها. وهي بذلك تشي بحقائق قاسية وعنيدة، في آن. في طليعتها أن الخلافات المتراكمة بتقادم الزمن وبتفاقم الأزمات الكبيرة، صارت غائرة إلى الحدّ الذي لم تعد معه حتى مخاطر اللحظة الراهنة، قادرة على فرض تحييدها وتغليب المشترك عليها.
على العكس طلعت إلى السطح وكادت أن تجرف القمة في طريقها. الأمر الذي بات من الواضح معه أن التعاطي مع هذا الواقع صار يتطلب ما هو أبعد وأكثر من المألوف. لغة المصالحة، صارت بحاجة إلى استخدامها بأبجدية المكاشفة والمصارحة.
قمة دمشق، المقرر أن تفتتح أعمالها بعد يومين، مطروح أمامها ملفات كبيرة، خطيرة ومستعصية. من «إعلان صنعاء»، إلى «المبادرة العربية»، الخاصة بلبنان؛ إلى الملف العراقي؛ إلى بقية القضايا والبنود المتراوحة بين العمل العربي المشترك والعلاقات العربية ـ العربية؛ وبين القرارات والقضايا الاقتصادية العربية، الأمن القومي والإقليمي، هاجسها الأكبر.
رزمة من الأزمات الضاغطة والمستعجلة، يزدحم بها جدول أعمال؛ في ظلّ أجواء إقليمية، ملبّدة بالغيوم الداكنة. إشارات التصعيد تتوالى من كل صوب. إسرائيل تستأنف لغة التعجيز؛ لتواصل هجمتها، المتعددة الجبهات والمرامي. واشنطن ترفع، هي الأخرى، من وتيرة خطابها التحريضي والتصعيدي. نائب الرئيس تشيني، حرص على التحدث بهذه اللغة، خلال زيارته الأخيرة، قبل أيام، إلى المنطقة.
في ظلّ هذاالكمّ من القضايا والاستحقاقات ذات الوزن الثقيل وغير الاعتيادي؛ تعقد قمة «مقتضبة»، بدلاً من أن تكون مطوّلة ومعمّقة. همها الأول «لمّ الشمل العربي»؛ في لحظة كان من المفترض فيها أن يكون هذا الشمل، ليس فقط ملموماً؛ بل أيضاً مستنفراً إلى أقصى الحدود. لكن الحاصل، أنه لم يكن بالإمكان أفضل مما كان. أو بالأحرى، لم يسمح الوضع «المشتت» بأفضل مما كان.
وربما على القمة، التي حافظت على دورية انعقادها وتوفر فيها التمثيل العربي ـ ولو بعضه منخفض وبغياب واحد فقط ـ أن تنطلق من واقع الحال هذا، لتقوم بالاستدراك المطلوب؛ لوقف التصدّع وتطويق التداعيات المحتملة، للظروف التي حكمتها. هذه الظروف المأزومة أدّت إلى قمة من نفس الصنف.
التحدّي يكمن في جعلها القمة الأخيرة من نوعها. يتحقق ذلك فقط، بالعودة إلى الأسباب ـ الجذور التي استولدتها؛ والتصدّي لها مباشرة، في ضوء المصلحة العربية العليا؛ التي تبقى مهدّدة في ظل المعادلة القائمة حالياً.
