محاولات تأليب الوضع الفلسطيني على نفسه وتحريض أطرافه على بعضهم البعض، ناهيك بالتحريض ضدّه؛ ليست جديدة. كانت باستمرار واحدة من ثوابت السياسة الإسرائيلية. كما كانت دوماً، لغة حاضرة في الخطاب الأميركي. لكنها في الأيام الأخيرة، خلال زيارة نائب الرئيس تشيني إلى المنطقة وبالذات خلال وجوده في القدس ورام الله؛ تجاوزت حدود المألوف، لتدخل في الفاقع المكشوف. فهو تحدث علناً ومن دون مواربة، عن «شروط» المصالحة؛ بين «فتح و«حماس». تماماً كأنه فصيل فلسطيني آخر.
كما جعل من نفسه، شبه متحدث رسمي فلسطيني، عندما أعرب عن موقفه من «إعلان صنعاء»؛ معرباً عن شكوكه في جدواه. على نفس الإيقاع وبذات النغمة، عزف أولمرت أنغامه التحريضية؛ من باب تخيير الرئيس الفلسطيني بين «المفاوضات مع إسرائيل» وبين «التحالف» مع «حماس». وكأن الرئيس عباس لم ينل من هذه المفاوضات غير التخريب والمماطلة، اللذين مارستهما حكومة أولمرت بامتياز، لا يعلى عليه.
وكان تشيني ، فور وصوله إلى إسرائيل، قد حرص على إعطاء كل الأضواء الخضراء الباهرة لإسرائيل، لتواصل حملتها العدوانية العسكرية، ضدّ الفلسطينيين؛ بزعم أنها حملة على الإرهاب؛ من الطبيعي استخدام آلتها العسكرية فيها وبالطرق التي تراها؛ لأن من «حقها الدفاع عن نفسها». أما غيرها فهو محروم من هذا الحق. وحده الاحتلال يملكه، بل يحتكره.
الملفت كان تزامن هذه النغمة مع ولادة «إعلان صنعاء». والملفت أكثر أن وتيرتها تصاعدت بصورة طردية مع اشتعال حرب التفسير، للإعلان، بين «فتح» و«حماس». المقصد واضح: صبّ زيت التحريض، الأميركي ـ الإسرائيلي، على نار الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني، لتأجيجه؛ علّه يطيح بما تمّ الاتفاق حوله، في العاصمة اليمنية؛ على تواضعه. فالمراهنة على هذا الخلاف، طالما أعطت ثمرتها وقدمت خدمة مجانية لإسرائيل. خاصة في فترة الانقسام بين غزة ورام الله.
والمؤسف ـ المؤلم أن حرب التأويل هذه ازداد التهابها. التضارب في هذا الخصوص، اتسعت دائرته. وبدل أن يفطن المتجادلون إلى أن المحرضين يريدون جعلهم أسرى التشبث بمواقفهم؛ وبما يؤدي إلى نسف أي أمكانية للتوصل إلى المصالحة المنشودة؛ غرقوا في جدل بيزنطي، حول ما إذا كان المفروض أن يسبق الحوار التنفيذ؛ أم العكس. كل له فهمه، وفقاً لأولوياته.
وما كان في ذلك ما يضير أو يضرّ، لو كان بالإمكان التوافق على الأولوية الوطنية المشتركة؛ والتي لها عنوان واحد وحيد، اسمه الوحدة الوطنية الفلسطينية المرحلية. ولو بالحد الأدنى. البوصلة مفقودة، في هذا الخصوص منذ فترة طال أمدها. «إعلان صنعاء» فتح المدخل لاستعادتها. الخروج من دوامة من يسبق، الحوار أم التنفيذ؛ هو الخطوة الأولى الضرورية، للرد على التحريض الأميركي الإسرائيلي؛ والانطلاق من «صنعاء» نحو المطلوب لترميم البيت الفلسطيني.
