في الوقت الذي نشكو فيه من اتساع الفجوة بين الآباء والأبناء بسبب تغير أنماط الحياة الاجتماعية في مجتمع الإمارات، وفي الوقت الذي نلحظ فيه انعكاس ذلك على سلوك الأبناء الذين أصبحوا بحاجة لآبائهم أكثر من أي وقت مضى، وسط طوفان التغييرات الذي يتطلب طاقة نفسية ومعرفية واجتماعية تجعل الواحد منهم قادرا على مواجهتها بالشكل الذي يحمي به نفسه ومجتمعه.
في هذا الوقت الذي نشعر فيه بصعوبة تربية أبنائنا، نجد آباء يتجاهلون كل ما ذكرناه ويتخذون منحنى آخر في تربية أبنائهم، فبدل احتوائهم يبعدونهم عن أحضانهم، وبدل كسبهم يخسرونهم، وبدل التودد إليهم ينفرونهم منهم، الأمر الذي يوجد لنا أسباب وجود أبناء منحرفين أو على شفا حفرة من الانحراف. مناسبة حديثنا هذا عقاب تعرض له طفل مواطن لم يتجاوز العاشرة من عمره، وجدته سيدة مواطنه يهيم على وجهه، هاربا من والده الذي كبله وقيده بسلاسل حديدية متينة عقابا وردعا له على عقوقه!
عندما ترى صور أقدام الطفل وهي مقيدة بتلك السلاسل يخيل لك أن تلك الأقدام ليست إلا لسجين في إحدى السجون التي لا تعرف كيف تتعامل مع المساجين، والتي تتجاهل كل حقوق الإنسان التي لا ينبغي تجاهلها بسبب حكم قانوني يطبق عليه.
حالة الخوف والهلع التي كان عليها الطفل تثير استغرابك من تصرف الوالد وقسوته في التعامل مع فلذة كبده.
لا شك في أن الوالد حريص على تربية ابنه على الأخلاق الحسنة وعلى البر بوالديه، ولكن سن العاشرة ليس بالعمر الذي يستطيع فيه الطفل استيعاب كلمة العقوق التي يعاقبه والده عليها، ولو افترضنا انه أكبر من ذلك العمر ومدرك للعقوق فهل القيود والسلاسل الحديدية هي الطريقة أو الأسلوب الأمثل للتحاور مع الأبناء؟
وهل هي الطريقة التي نملك ردعهم من خلالها عن أي سلوك لا يتناسب مع الأصول التربوية التي نحاول تأصيلها فيهم؟ قد يتساءل أحدنا أين الأم وما موقفها من ذلك؟ لكننا وقبل أن نطرح على أم مثلها هذه التساؤلات نستطيع استنتاج غلظة الأب وشدته تلك التي لن تجعله ارحم بزوجته من ابنه فلذة كبده.
لن نكيل الاتهامات إلى هذا الوالد فكلنا معرض للخطأ والغفلة والنسيان، ونحن على ثقة بان الجهات القانونية التي تتابع قضيته ستتخذ إجراءات كفيلة بتوعيته بمخاطر ما أقدم عليه، وإلزامه بعدم تكرار ذلك مستقبلا.
حفاظا على الطفل، وعلى سلامة المجتمع الذي لا ينفعه وجود أبناء تربوا بسياسة الترويع والضرب، لكننا معنيون بتنبيه الآباء إلى أهمية احتواء أبنائهم والتودد إليهم ومعاملتهم بما يرضي الله حتى لا يفقد أي منهم فلذة كبده بيديه، وبسبب معاملة سيئة تنفر الطفل من منزله وأسرته وتجعله يبحث عن مكان آخر يلجأ إليه، وليس بالضرورة أن يكون ذلك الملجأ هو الأفضل.
السلوكيات الخطأ لدى الأبناء ليست بحاجة للضرب والتقييد بالسلاسل لتقويمها، بل بحاجة إلى دراسة وفهم واستيعاب أسباب الخطأ ووضع أكثر من طريقة لمعالجته ولو استدعى الأمر الاستعانة بالأخصائيين النفسيين والاجتماعيين والتربويين. إذا كنا كآباء وأمهات نثور غضبا لمجرد سماعنا بمعلم يقدم على ضرب طالب.
وإذا كان بعضنا يشعر بألم كبير عندما يبكي احد أبنائه بسبب عتاب أو لوم وجه إليه، فما الذي سنشعر به ونحن نسمع ونشاهد صور طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره وهو مكبل بسلاسل ليتعلم درسا في العقوق، أليس ما أقدم عليه الوالد هو العقوق ذاته؟
كيف سيعيش الطفل سويا بعد تعرضه للحبس والتعذيب النفسي الذي لم يحتمله ففر من المنزل لتجده امرأة رأفت بحاله واصطحبته إلى الشرطة، وهل يصبح رجال الأمن اليوم أيضا في خدمة الأطفال لحل مشكلاتهم بدلا عن ذويهم؟ خسارة المال من الممكن تعويضها، لكن خسارة الأبناء وهم أحياء أمام أعيننا بأساليب كهذه لا يمكن تعويضها مهما حاولنا خاصة إن كان الأوان قد فات. فهل من متعظ؟
