تزامنت جولة سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسية في الشرق الأوسط من أجل دعوة بلدان المنطقة لعقد مؤتمر سلام وتسوية في موسكو في نفس الوقت الذي بعث به أسامة بن لادن بشريطيه المسجلين يهدد فيهما العالم الغربي وفي مقدمته الدنمارك بويلات ما ينتظرهم نتيجة عبثهم وأهانتهم بتلك الرسوم المسيئة لشخصية الرسول، باعتباره شخصية مقدسة دينية للمسلمين ولا يجوز المساس بها والتلاعب بمشاعر المسلمين في كافة أنحاء العالم واهانتهم بتلك الطريقة المشينة الماسة بالمعتقد والكرامة والمشاعر.

ولم يكتف بن لادن أن يحصر تهديده بدولة واحدة وبصحف معينة وإنما وسّع دائرة صراعه مع العالم الغربي كونه العالم الذي يشن حرباً صليبية على المنطقة العربية والإسلامية تحديداً وبشكل خاص فلسطين والعراق.

بينما تمحور حديثه في أهمية العراق كمرتكز للصراع الإسلامي فهناك يبدأ النصر وينطلق نحو تحرير القدس وفلسطين من اليهود وحلفائهم، ولكي يتصاعد ويتخذ الصراع مجرى فعلياً للنصر فإن فتح الحدود من بلاد الشام ـ هكذا بكل بساطة ـ للعبور ومساندة المجاهدين في العراق دور وموقف مقدس، فمعركة المصير تبدأ من العراق ولن يكون نصرة الأخوة المجاهدين في فلسطين إلا بتحرير العراق أرض الرافدين. هكذا حاولنا توسيع وتشخيص رؤية بن لادن بكل وضوح لعالم بدا لنا مجرد رغبة حالمة في سنوات خمس تتآكل في منطقة، ليس الشرق الأوسط الضيق وحسب، بل والأوسع جداً.

ومن خلال ملاحظتنا لرسالته المتعلقة بالعراق وتسهيل مهمات عبور المجاهدين لخوض معركة «المصير» نلاحظ أنه لم يشر لدور المجاهدين في عبور حدود بلدان مجاورة لنصرة إخوتهم في الجهاد في فلسطين، وإنما محورها هذه المرة في العراق، فقد اكتشف أن حدود تلك البلدان استحالت جحيماً، بل وصار بعضها حصاراً مراً لا يمكن اختراقه كما يهوى.

كما رأى مؤخراً بأم عينه مدى الحصار والمطاردة لعناصر القاعدة والمتشددين في كل مكان، وإغلاق كل ينابيع الدعم المالي والسياسي، في وقت تتصاعد فيه الإجراءات الإعلامية والأمنية بتوسيع مساحة التعاون والتنسيق في ملاحقة الإرهاب، وفي مقدمتهم تنظيم القاعدة على أساس أنه تنظيم متطرف يمارس كل أشكال العنف والتدمير لمشاريع ومبادرات الدول والأنظمة في المنطقة، للبحث عن تسوية سلمية للنزاع ومن أهمها وأبرزها مسألة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

ما حصده بن لادن خلال العامين الأخيرين من خسائر في صفوفه تدخله في آخر حلبة صراع بإمكان قواعده دخولها، وهي الساحة العراقية، والتي لن تتطور في أوضاع قابلة لتقليص أماكن وجودهم جغرافياً وأمنياً.

ومن ثم يسهل تطويقهم مع مرور الوقت. من يعيش في مخبأ أو مخابئ متنقلة ولا يمكنه مساعدة نفسه من الحركة والتنقل لا يمكنه تحرير العالم بتلك السهولة والأحلام الكامنة في أشرطة الخطب والنداءات والتوجيهات المشحونة بعاطفة دينية متطرفة تجاوزت عصرها وزمنها.

ومن يعتمد على بقايا خلايا نائمة هنا أو هناك لا يمكنه إلا تحقيق نتائج محدودة في قتل الناس وتدمير الممتلكات العامة، لهذا لا يمكن لقضيته أن تحظى بالدعم، كما أنها لا تغير مجتمعات أو تسقط أنظمة، فالعالم والمجتمع الدولي ليس مؤسسات من الكارتون، وليس مجرد بنايتين أو محطة قطار أو مطارات وطائرات.

وكلما تم المساس بأمن تلك الدول قيد شعرة، ذاق المسلمون فيها الويل والاختناق والكراهية من جراء تلك السلوكيات، ومنحت أوراقاً لليمين بل ولكل أجنحة وتيارات سياسية وشخصيات ومؤسسات كانت تقف مع قضايا الشعوب العادلة، وتم وضع العالم العربي والإسلامي في خانة المشكوك في سلوكه، ومن ثم ينبغي وضعه تحت مجهر المراقبة الشديدة، بل وصار الناس في الغرب يرون في المواطنين من أصول إسلامية فيها كدخلاء يشوهون النسيج الاجتماعي، وينبغي إعادة النظر في أوضاعهم التاريخية.

ولكون بن لادن في مخبأ ضيق فهو لا يرى العالم إلا من خلال ذلك المخبأ، بل وصار يكره الاستماع لما يدور من آراء، وأصبح سيد الكون الإسلامي وهو يتصدر الدفاع عنه دون تكليفه بمهمة ذلك من العالم الإسلامي، فنتذكر زعماء غير منتخبين يفرضون سطوتهم على قرارات شعوبهم وأحزابهم.

وكما يقال إن من لا يستطيع تحرير رقعة صغيرة حوله لا يمكنه قيادة جيش لتحرير العالم. هكذا لن تدوم عمليات الكر والفر الصغيرة في بعض مناطق من العالم، والتي تعتمد على أمية وجهل وفقر مريدها، والذين سينكمشون تلقائياً مع مرور الوقت، كلما حلت أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وتماسكت الدولة ومؤسساتها في الأطراف البائسة، والتي تشكل مرتعاً وحاضناً لكل أنواع وأفكار التطرف والعنف.

من يحلمون بامتلاك العالم وتحريره بنهج التفجيرات والهروب والموت، فإنهم عليهم بمراجعة العراق نموذجاً، فكلما سقط العشرات من القتلى الأبرياء ازداد إصرار العراقيين بملاحقة مرتكبيها مهما كانت هويتهم ورؤيتهم ومصادر دعمهم.

في مثل هذه الظروف يشعر بن لادن إن العالم ليس بين يديه، حيث تسعى الدول شرقاً وغرباً، للبحث عن تسوية الصراع في الشرق الأوسط، فقد كان لافروف في جولته تلك يحاول «خلق بيئة ملائمة» للسلام حاملاً مشروعه الروسي، فتنقل بين الضفة الغربية الفلسطينية وعرض مشروعه الأمني للضفة وغزة.

وتباحث في دمشق مع وليد المعلم انطلاقاً من رؤية روسيا للدور السوري، والتقى في تل أبيب بقيادتها وعرض ملفاته المهمة والساخنة، محاولاً أن يستعيد الدور الروسي من قبضة النسر الأميركي، الذي لا يمكن كشريك منحاز لإسرائيل أن تقبل كل الأطراف دوره في تسوية معقدة كصراع الشرق الأوسط، في وقت يضع الروس ثقلهم واستعادة مكانتهم التاريخية في المنطقة بنقل الحوار إلى مؤتمر قمة موسكو بعد مؤتمر انابوليس.

والاعتماد على أطراف عدة في الشراكة وفي مقدمتها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، إذا ما بالفعل ترغب كل الجهات المعنية بتسوية سلام عادلة تنهي الصراع الطويل في المنطقة، وهذا ما لم يكن مرغوباً في خيارات وخطاب الشريطين اللذين أطلقهما بن لادن لحرق العالم برمته من أجل رسالته التاريخية الحالمة!!

كاتب بحريني