يمتلئ التراث العربي الإسلامي بالكثير من الأقوال التي تعتبر مأثورة وهي ليست كذلك التراث الذي يعتبره البعض مقدساً. إن التراث هام لأنه أولاً أحد منابع ومصادر فكرنا، وهو جذورنا الثقافية والحضارية الممتدة في عمق التاريخ لكن هذا التراث يحتاج إلى نقد، ويجب أن يخضع للانتقاء عند الرجوع إليه للاستفادة منه.

لقد درج الناس على ترديد أقوال موروثة على أنها من التراث دون التفكير والتمعن في معناها ومغزاها ومدى الاستفادة منها، فبعض تلك الأقوال تجلب الكوارث للناس عند انتقالها من القول إلى الفعل والتطبيق.

ونستعرض هنا بعضاً منها كأمثلة فقط على تخلفنا الثقافي على الرغم من هذا التقدم الذي ندّعيه، والتعليم الحديث والثقافة، ومع الأسف الشديد لا يساهم المثقفون في تنوير الناس بالآثار والانعكاسات السلبية لمثل تلك الأقوال فهي ليست أقوالاً فقط، وإنما ممارسات اجتماعية وثقافية نتوارثها جيلاً عن جيل، وإليكم نماذج منها:

1 ـ «أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب» ماذا يعني قول كهذا عندما يفهم على إطلاقه، فهل نتضامن أنا وأخي أو أنا وابن عمي حتى في حالة الظلم من قبلنا؟ وهل المسألة بيولوجية عرقية، أم قانونية في حالة الدولة المدنية الديمقراطية؟ أليس ترديد مثل هذا القول يدل على الرجوع إلى الخلف مئات السنين عندما كان ذلك يمارس فعلياً بغض النظر إن كنت أنا وأخي وابن عمي ظالمين أو مظلومين.

إن التكافل والتعاون قيمتان أساسيتان في حياتنا وكانت في تراثنا لكن القول السابق يناقضهما والمسألة لا تقتصر على قول ذلك وممارسته في الماضي بل يحاول البعض الترويج له على أنه من موروثاتنا وقيمنا.

2 ـ «في الامتحان يكرم المرء أو يهان» لا يهمنا هنا من قال هذا لكن أليس هذا القول جزء من ثقافتنا التراثية ويردده الكثيرون؟ إن نتيجة الامتحان سواء كانت في مجال التعليم أو التجربة الحياتية تكون إما النجاح أو الفشل، ولا يمكن أن تكون نتيجة الامتحان نجاحاً على الدوام، وكثير من الفشل كان نجاحاً حيث تمت الاستفادة من التجربة للقادم من الأيام في حياة الأفراد والشعوب.

إن القول السابق ذكره في الامتحان يكرم المرء أو يهان يتركز اعتراضنا على حالة الفشل التي وصفها قائل ذلك بالإهانة، ألم نفكر بالأثر النفسي السلبي لترديد ذلك في حالة تأدية طلبتنا للامتحانات في مراحل التعليم المختلفة؟ هل لفظ (يهان) يكون حافزاً على الجد والاجتهاد لدى الشباب أم يجلب لهم الإحباط؟ إن مثل هذه الأقوال يجب أن تشطب من قاموسنا المتداول وتنقد فليس كل ما هو موروث جيداً.

3 ـ «لا تشتري العبد إلا والعصا معه»! «والعبد يضرب بالعصا والحر تكفيه الإشارة»! أية عنصرية أكثر من هذه، المقصود هنا العبد الرقيق عندما كانت تجارة الرق (التجارة بالبشر) رائجة في تاريخنا وتراثنا البشري، لكن أن تصل الأمور إلى هذا الحد في نظرتنا الدونية لآدمية الإنسان فأي تخلف كنا نعيشه، وأية ممارسة لا إنسانية ضد الرقيق كانت تمارس عندما ينتقل ذلك القول إلى الفعل؟ قد يقول البعض إن ذلك كان فيما مضى من الزمان وليس الآن، لكن لماذا كان ذلك يقال في الماضي ولماذا يستمر في تراثنا الثقافي؟ ولماذا يعتبر البعض التراث مقدساً وفيه مثل تلك الأقوال والممارسات؟

4 ـ «القناعة كنز لا يفنى» نعم القناعة كنز لا يفنى عندما تتوفر للإنسان أساسيات الحياة، لكن كيف تستطيع قول ذلك للناس الذين هم تحت خط الفقر في بعض الدول مثل الصومال والسودان وموريتانيا وغيرها؟

ثم ألم يستخدم هذا القول سياسياً واقتصادياً من قبل الأغنياء أو أنظمة الحكم أو غيرهم؟ كيف أقول لإنسان أبناؤه يتضورون جوعاً ويسكن في العراء القناعة كنز لا يفنى؟ ولماذا لا يقال ذلك للأغنياء؟ المشكلة في استخدام مثل هذا القول والأهداف وراء استخدامه. ما هو معيار القناعة هنا والتي هي كنز لا يفنى؟

5 ـ «السن بالسن والعين بالعين والبادئ أظلم» هذه تعود إلى التاريخ القديم، وتردد إلى اليوم، فماذا تعني وإلى ماذا ترمي؟

نفهمها تشجيعاً على الأخذ بالثأر، فإذا كان ذلك يطبق عندما كانت المجتمعات متخلفة وبدائية هل يجوز قولها أو تطبيقها في مجتمعاتنا المعاصرة في ظل القانون والدساتير والدولة المدنية الحديثة؟ وهل يمكن تطبيق ذلك موازياً أو بديلاً للقانون؟ وهل من يمارس ذلك يعد ضمن المجتمع المتطور والحضاري؟

علينا أن نفهم ذلك في إطار القانون والعدالة في بلداننا، وفي يد السلطة القضائية، وليس أمراً مشروعاً لكل من يتعرض للظلم أو يرد بنفسه أو من خلال فزعة جماعته الظلم عنه. والأمور ليست قطعية، فهناك صلح بين الشاكي والمشتكي، وهناك ظروف الواقعة هل هي دفاع عن النفس أو الشرف أو الوطن أم لا وهذه يحسمها القانون وليس الأشخاص الذين وقع عليهم الاعتداء أو الظلم.

6 ـ هناك مثل مصري يتردد حتى يومنا هذا، ومؤكد أنه جزء من التراث الشعبي المصري يقول «اربط الحمار مطرح ما صاحبه عايز». أليس في هذا القول استكانة وخضوع وتبعية، أليس ترديد ذلك في الثقافة الشعبية ما يخلق ثقافة قبول الأمر الواقع حتى لو كان سيئا؟ إذا كيف نشجع النقد، ومتى نقول لا؟ وهل المطلوب الطاعة العمياء في كل شيء، ومن أمثلة ذلك القول الكثير في الفلكلور الشعبي العربي ليس في مصر وحدها بل في العديد من أوطاننا.

إذا أردنا أن نتحدث عن الأقوال التي أسميناها غير المأثورة في تراثنا العربي والإسلامي فلن تنتهي ولا تكفي مقالة كهذه لحصرها بيد أن ما أوردناه بعض منها وأمثلة المذكورة فقط للتدليل على ثقافتنا المشوّهة والتي يدعو البعض إلى عدم نقد التراث على أنه من المقدسات.

إن التراث أساساً من صنع البشر، وتاريخاً قابلاً للنقد مادام هو أحد مصادر فكرنا وفيه مثل هذه الأقوال فإن إخضاعه للنقد واجباً وضرورة كي تستقيم ثقافتنا وفكرنا وكي نستفيد من التراث ولا يكون عقبة في طريق تطورنا وتقدمنا.

كاتب كويتي